نوسوسيال

بقلم حسان يونس : عيد رأ السنة الإيزيدية..ما له .. وما صلته بالنوروز

673

 

 

 

 

يحتفل الإيزيديين برأس السنة الإيزيدية في الأربعاء الأول من نيسان ( جارشما سري نسيانه)  وفق التقويم الشرقي اليولياني أو كما يسمونها  بعيد الملاك الأعظم ( طاووسي ملك) .
فلكياً، يعتبر “جارشما سري نسيانه” يوم تساوي الليل مع النهار وفي الخميس التالي يبدأ النهار بالتطاول على الليل وتولد الشمس وتنتصر آلهة النور على الظلام، وفق الإعتقاد الإيزيدي.

يعتقد الإيزيديون بديمومة الحياة وبتقمص الأرواح  وعدم فناء الروح وفي هذا اليوم يعتقدون بحدوث التزاوج بين آلهة السماء وملكوت الأرض الأم، بوجود عناصر ديمومة الحياة الأربعة ( ماء و هواء و تراب و نار) فيتلقح  كوكب الأرض بعد موت وجفاف طويل وتعاد إليه الخصوبة ثانية ويتقمص روحاً جديداً  في دورة حياة جديدة، وبحسب كتاب

“الايزيدية امتداد للميثرائية الشمسانية الزاغروسية” للكاتب سليمان دخيل سليمان سليمان فإن شهر نيسان بأكمله هو شهر مقدس في الإعتقاد الإيزيدي  لأنه عروسة السنة وشهر تزاوج الآلهة حيث تتلقح الازهار والأشجار وتنمو المزروعات وتبدأ الأرض دورة حياة جديدة في سنة جديدة. لذا يحرّم الإيزيديون في هذا الشهر  الزواج وحفر

الأرض وقطع الأشجار ويمشون حفاة على الأرض تقديرا “للأم الارض”.
وتقام على مدار  الشهر حفلات الربيع والطواف حول المزارات .. ويذهب الفلاحون في الصباح إلى حقولهم لينثروا قشور البيض الملون أيمانا منهم بأنها سوف تزيد عطائها وبركتها وخصوبتها، كما ينثرون شقائق النعمان (غان غوليك) على مزروعاتهم وأبواب منازلهم إعتقاداً منهم بأن ذلك يجلب الخير والمحبة بين الناس و تزدهر مواسمهم .

ولا زال بعض الشباب يحتفظ بقليل من مياه هذا الشهر ظناً منهم بأنها مياه الحياة تطيل شعر الفتايات وتمنحهم/هن الحيوية والشباب والجمال.
كذلك تتخلل احتفالات الاربعاء الاحمر تزيين أغصان الشجر بقطع من القماش الأحمر  والبيض الملون كرمز للحب والفرح و ديمومة الحياة.

يحمل الايزيديون عند فجر “جارشما سري نسيانه” البيوض الملونة، في تعبير عن الفرحة والأبتهاج بانبثاق الحياة ، في يوم الخصوبه. لذا يسمى نور فجر ذلك اليوم بـ “أيزي صور” اي (الولادة الحمراء أو الأنبعاث الأحمر الخصب / النور الأحمر = ميترا) .
توفق الاعتقاد الايزيدي، تختزل البيضة الملونة زمن البدايات وهي تكثيف لقصة

الخليقة، حين أراد لها الإنسان / الإله الأول، وهي الكمون الذي تنطلق منه كل عملية خلق، كل ذلك بجعل نيسان شهر الأستذكار للزواج البدئي، زواج الآلهة – الفلك والطبيعه لذا يحرم الأيزيدي ، الزواج في أول 12 يوم من بعد “جارشما سري نسيانه”.
يرتبط عيدا الأربعاء الأحمر والنيروز بصلة قرابة تبدو غامضة للوهلة الأولى لكنها تتضح من خلال مقارنات بسيطة.

من ناحية التوقيت يبدأ العيدان في مطلع شهر نيسان مع اختلاف التقويم المعمول به لتحديد توقيت كل منهما، لا زال عيد النيروز يحدد عند الفرس والاكراد مطلع شهر نيسان وفق التقويم البابلي الموافق 21 آذار الحالي، فيما يحدد عيد النيروز في الساحل السوري مطلع شهر نيسان وفق التقويم اليولياني الشرقي (4 نيسان شرقي) الموافق 17 نيسان الغربي الحالي وهو ما يقارب توقيت عيد الأربعاء الأحمر الذي يتراوح توقيته بين (13 – 19) نيسان الغربي الحالي حسب موقع الأربعاء الأول في شهر نيسان الشرقي.

هناك بعض المدونات على مواقع التواصل الاجتماعي تربط عيد الأربعاء الأحمر بيوم اسقاط العاصمة الاشورية  نينوى ومن ثم الدولة الاشورية على يد التحالف الكلداني- الميدي 612 ق.م باعتباره يوم بزوغ شمس جديدة في تاريخ شرق المتوسط الذي حكمه الاشوريون بالقوة الغاشمة والتغيير الديمغرافي وانتهاك حرمات الثقافات المجاورة المختلفة.

ربما تكون الفكرة جميلة ولا بأس في اعتبار سقوط الطغيان العائلي أو الديني أو الاثني أو الثقافي أو الإمبراطوري ولادة جديدة للشعوب الخاضعة لهذا الطغيان، لكن المصادر التاريخية لا تحدد يوما لسقوط نينوى التي حوصرت ثلاثة أشهر وبحسب

دراسة محكمة للدكتور ايمان فرحات (أستاذ في الجامعة اللبنانية) منشورة في “مجلة أوراق ثقافية” في 23 آذار 2022 بعنوان “الأحداث العسكرية في سقوط المملكة الاشورية (627 – 612 ق.م)”، فإن نينوى سقطت في شهر آب، وبالتالي فإن ربط سقوط نينوى بعيد الأربعاء الأحمر ليس دقيق تاريخيا.

لكن بكل الاحوال فإن الدلالات والمعاني التي يقدمها عيدا النيروز والأربعاء الأحمر هي معاني متطابقة تحتفل بالولادة الجديدة للحياة والطبيعة وبالخصب وانتصار النور الربيعي القادم على الظلام الشتوي المنصرم وكلا العيدان مشتقان من الديانة الشمسانية الميثرانية، حيث يتربع الاله “شمش” في قمة التراتبية الإلهية

والايزيديون حتى اليوم يعتبرون أن القسم بالشمس هو يمين حاسم لا يمين بعده كما أن النور والنار يظهران بقوة في رموز وطقوس كلا العيدين.
تعرض الايزيديون خلال 1400 عام لضغوط هائلة بغرض تغيير ديانتهم واعتناق الإسلام

وشهدت الحرب السورية خلال العقد الفائت الكثير من نماذج هذه الضغوط بدءا من هجوم تنظيم داعش البربري الوحشي على القرى الايزيدية في سنجار /شنكال العراق عام 2017 وما تخللها من جرائم إبادة واغتصاب وسبي ونهب وصولا إلى فرض ا

لإسلام على ايزيديين في منطقة عفرين من قبل شيخ “احمد زيوك” مدعوما بأحد فصائل ما يسمى الجيش الوطني، خلال شهر نيسان الجاري وهي في مجملها محاولات لاخماد هذه الشعلة المضيئة لثقافة لا تزال تحتفي بالخصب وبالولادة المتجددة وبالتنوع وبالتعايش مع الطبيعة وبالتبصر في محتواها وقوانينها (وفقا للنص القرآني).
ليت المسلمين يحتفلون بالطبيعة ومعانيها وينظرون الى معجزاتها اسوة بالايزيديين وليتهم يضيفون عيد الأربعاء الأحمر إلى اعيادهم بدلا من ملاحقة اتباعه.