نوسوسيال

كيف يصبح اللامعقول معقولا فى الخطاب القرآني. ؟!

281

 

بداية دعوانا نفرق بين المعقول واللامعقول ، بالبداهة وبعيدا عن لبس وغموض المصطلحات الفلسفية فإن المعقول : هو كل ما يقع تحت طائلة العقل وكل ما يستطيع الإنسان إدراكه من مدركات حسية وكل ما يستطيع الإنسان أن يربط بين متشابهاته أي يكون علاقة بين الموضوع محل الإدراك والذات المدركة أى الطبيعة الكونية وذات الإنسان التي تدركها إدراكا عقليا.
أما اللامعقول : فأعني به كل ما خارج نطاق القدرة والمعرفة الإنسية وكل ما لا يستطع المرء إدراكه إدراكا يقينا ، لكن قد يكون في بعض الأحايين محل للتفكير ، كالعالم المجرد ، العالم الميتافيزيقي المفارق أو الترانستندالي (المتعالي)، كإدراك ذات الإله أو الكرسي والعرش والجنة والنار والملائكة والروح واللوح المحفوظ ، والجن والصراط وكل ما هو متواتر أى سمعناه سماعا إن فى القرآن أو السنة ، وما على العقل بمحدوديته إلا التسليم به تسليما (ويسلموا تسليما).
ورب سائل يسأل ، هل بذلك نحجم دور العقل هنا ؟!، أرد قائلا ، ليس تحجيما ولا تقليلا من أهميته ، وإنما احتراماً للعقل حتى لا يصاب بالمرض والشك ويقع تحت طائلة الخوض في المحظورات ، لماذا ؟!، لأنه مخلوق ضعيف لا يستطيع أن يخوض في ما لا طاقة له به ، بل إذا أطلقنا له العنان فإلى ماذا سيصل ، إلى لا شيئ.
وهنا يأتي دورنا أن نحافظ على عقولنا وعقول مريدونا من الوقوع في هذه الشراك الخادعة فقد يسول الشيطان للبعض قائلا: الإله أعطانا عقلا فلماذا لا نصل من خلاله إلى كنه حقيقته. ونرد قائلين على أمثال هؤلاء ولماذا تريدون الوصول إلى إدراك ذاته ، هل ستهدأ عقولهم بذلك ، سيكون هدوءا نسبيا لماذا؟!.
لأن الإنسان بطبعه بحاث يريد أن يذهب إلى ما وراء ذلك وسيظل هكذا ، فالأحرى به أن يسلم تسليما (ولا تقف ما ليس لك به علم ، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)، وكذلك قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم).
وهذا يؤكد لنا على قصور العقل وعجزه وأن له منطقة محددة معلومة لا يستطيع أن يتخطاها قيد أنملة.
وهذا ما أخبر عنه الله تعالى في حوار سيدنا إبراهيم معه ، عندما طلب إبراهيم أن يريه الله كيف يحيي الموتى وهذه أمور من اللامدركات ، لذا سأله الله (أولم تؤمن)، جاء الرد (بلى ولكن ليطمئن قلبي)، ليطمئن العقل هنا ليطمئن وليسلم بعجزه أن ثم أمور لا طاقة له بها.
وأن الإنسان مهما أوتي من كياسة وذكاء ورجاحة عقل فإنه لا يستطيع أن يصل إلى الحقيقة كاملة ، كالذي ينظر إلى الماء داخل الكوب هل يستطيع أن يرى حقيقة هذا الماء رأي العين ،حتى لو أجرى التجارب لا يستطيع أن يرى رؤية يقينية لماذا ؟!، حتى يبقى سر الله الأعظم الكامن في الكون بكل مكوناته عالم ما فوق فلك القمر ، وعالم ما تحت فلك القمر ، هذا السر هو سريان سر الله الأعظم فى الكون وروحه سيال متدفق ، علة فاعلة تعمل بقدرته (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)

أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان