نوسوسيال

الترجمة ودورها في نهضة الأمم.

222

 

 

 

لاشك أن تقدم أي أمة من الأمم لا يكون إلا من خلال التعرف على الموروث الثقافي للحضارات في شتى صنوف المعارف ، وبالضرورة لا يمكن بحال من الأحوال أن يحدث ذلك إلا من خلال معرفة لغات هذه الأمم بعضها البعض فلا يمكن قراءة التراث الغربي إلا من خلال تعلم لغات الغرب ، والعكس صحيح أيضا الغربي سواء مستشرق أو باحث ما في الشأن الشرقي أو العربي والإسلامي إلا إذا تعلموا ما أطلقوا عليه اللغات السامية ومن هنا فطن الغرب

الأوروبي إلى ذلك فهرعوا إلى إنشاء كراسي لتعلم هذه اللغات وخصوصا اللغة العربية للإستفادة من ذلك في جانبين، أحدهما إيجابي محمود وهو ما فعله بعض المستشرقين متوخين الدقة والموضوعية في نقل الموروث الحضاري العربي والاشادة به مثلما حدث مع مؤلفات ابن رشد وابن جبيرول وابن السيد البطليوسي، ليس هذا وحسب، بل غاصوا في بطون هذه المؤلفات وأخرجوا دررها.

أما الجانب السلبي المرذول أنهم ترجموا هذا الموروث ترجمة محرفة بغية تشويه هذا التراث وتفريغه من محتواه الحقيقي ، أو بغية التشكيك فيه مثلما فعل أحد المستشرقين ويدعى جورج سل الذي ترجم القرآن الكريم ترجمة حرفية مغلوطة ، فحجم رسالة النبي صلى عليه وسلم في أهل مكة فقط (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا)، قال النداء هنا المقصود به أهل مكة ، وهذا تحريف صريح.ومن جاءت المقولة المشهورة (من علم لغة قوم أمن مكرهم)
فطن العرب قديما وخصوصا في عصري الخلافة الأموية والخلافة العباسية إلى الإهتمام بالترجمة وإن كان الإهتمام أوسع وأكبر في العصر العباسي إلا أن بواكير الترجمات بدأت مع الخليفة الأموي خال بن زيد ، لكن ترجمات محدودة مقصورة على ترجمة العلوم العملية كالكيمياء والطب للإستفادة بها ومنها في الأمور الحياتية ، لكن ازداد الحماس

للترجمة في عهد الرشيد والخليفة المأمون وزاد الإهتمام بترجمات مؤلفات يونان سواء النظرية أو العملية ، كمؤلفات أرسطو وأفلاطون أفلوطين السكندري الفلسفية وظهر مترجمين مهرة كحنين بن إسحاق ، وإسحاق بن حنين ، وعبد المسيح بن ناعمة الحمصي وابن المقفع وغيرهم ومن هنا سمي العصر العباسي عصر الانفتاح الحضاري على ثقافة وتراث الغرب ، ومن هنا سمي هذا العصر بالعصر الذهبي للترجمة وسمي القرن الرابع الهجري بقرن ازدهار الحضارة الإسلامية.

أما في عصرنا فإذا أردنا حقا نهضة لأمتنا العربية والإسلامية ، فينبغي علينا الإهتمام بالترجمة والوقوف على كل ما هو جديد من خلال ترجمة كتابات الغرب في العصر الحديث ولا سيما ونحن في عصر انفتاح معلوماتي وثورة إتصالات ، ومن ثم بات الأمر ملحا للتعرف على ثقافات هذه الشعوب من خلال مفكريها وكتابها الذين هم نبضها الذي يعبر عنها.
ليس هذا وحسب ، فلا يمكن بحال من الأحوال الإعتماد في النهضة الحضارية على كل ما هو وارد إذ لابد من غربلته وأخذ ما يتناسب ويتواءم مع معتقداتنا وقيمنا ومبادئنا ، ليس هذا فقط ، بل والقيام بترجمة عكسية بما يسمي بالعلاقات التبادلية بين الأفكار ، فلم لا نهتم بترجمة تراث أجدادنا وأبائنا واساتذتنا وإخراجه بأيدينا إلى العالم

الغربي ،لا أن نتركه ليعبث به العابثون ، فلماذا لانقوم بترجمة مؤلفاتنا في شتى صنوف المعارف لإحداث تبادل فكري بين الحضارات ، فلماذا لا تهتم مراكز الترجمة المعتمدة بترجمة تراثنا الثقافي إلى أكثر من لغة ، لدينا المركز القومي للترجمة عليه معول رئيس فبدلا من الترجمة إلى العربية فلماذا لا نترجم من العربية ، لدينا مركز الترجمة التابع للأزهر الشريف الذي أخذ الخطوة الآن في ترجمة تراثنا الحضاري الإسلامي ، ليس هذا وحسب بل ترجموا القرآن الكريم إلى أكثر من لغة وهذا جهد محمود وسعى مشكور للحفاظ على هويتنا وثقافتنا وفكرنا العربي الأصيل.

وقد أجابه بسؤال ، يقول هناك جهود فردية تقوم بترجمات حرة ، نقول هذا جهد جد مهم وعمل طيب ، لكن حتى يطبع عمل كهذا لابد أن يأخذ موافقة لجان الترجمة المتخصصة حتى لا يتعرض صاحبها للنقد والتجريح وخصوصا أن هذا العمل سيطبع وقد تتولى توزيعه دور نشر عالمية.
ونأتي إلى نقطة مهمة ، ألا وهي الضوابط التي ينبغي أن تتوفر لضمان ترجمة منضبطة رصينة.
أول هذه الركائز المترجم لابد أن يكون حاذقا في لغته ، ملما بقواعدها إلماما تاما ، ذو ثقافة موسوعية ، لديه القدرة على التعامل مع للنصوص إن شرح وتحليل وتفسير أو تأويل بما لا يخل بدلالات النصوص التي هي قيد الترجمة.
وثاني هذه الركائز ، إختيار الكتب التي سيتم ترجمتها وذلك عن طريق لجنة معتمدة هي التى تقرر ما يمكن ترجمته من عدمه ، تلتزم بالموضوعية والحيادية ، فلدينا موروث حضاري قيم لابد أن يخرج إلى العالمية ليرى الغرب من نحن وما تراثنا.

كذلك ثالث هذه الركائز ضرورة توفير الدعم المادي لمن يقوم بالترجمة من توفير الإمكانيات اللازمة والأدوات التي سيستخدمها فى الترجمة بما يضمن ترجمة رصينة وقوية ، كذلك صرف مكافآت مادية معقولة للمترجمين خصوصا إذا لم يكن لهم عمل آخر سوى الترجمة بما يضمن اقباله على الترجمة دون النفور منها ، لذا أهيب بالجهات المختصة توفير الدعم المادي الملائم والمناسب للمترجمين.
ورابع هذه الركائز تخصيص دورات معتمدة للترجمة تقوم بها مراكز معتمدة دوليا وعقد اختبارات دورية للمترجمين بما يضمن كفاءة الترجمة.

أما الركيزة الخامسة ، خضوع الكتب المترجمة قبل إعدادها للطباعة والنشر الدولي خضوعها إلى لجان كل حسب تخصصه وحسب اللغة التي سيترجم إليها العمل بما يضمن كفاءة الترجمة من ناحية ، وكذلك يضع المترجم أمام مسؤولياته تجاه ما يقوم بترجمته وأن هناك من سيراجع خلفه.
حقا إذا أردنا نهضة حقيقية ومواكبة للساحة الفكرية العالمية لابد أن يكون هناك تبادل فكري ثقافي عن طريق الوارد وفي نفس الوقت عن طريق الصادر.وأختتم مقالتي بهذه العبارة

الترجمة سلاح ذو حدين إما أن ترتقي بالأمة فتضعها في المقدمة وإما تضعها في المؤخرة
سواء الترجمة من العربية أو إلى العربية.

أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان ورئيس قسم الفلسفة