نوسوسيال

نضال امرأة كردية.. وصمود وطن أمينة عارف الجراح (1920 ـ 2007)

78

/  نوس سوسيال الدولية  /

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

 

 

 

 

أعطتها الحياة فرصة تكتب فيها للناس تجربتها الغنية، وتعطيهم بعضاً من فرحها بالحياة. فقدمت للأدب سجلاً عنوانه إنسان وأحداثه حياة ونبضه تاريخ وفكره حرية وزينته محبة وعنوانه عطاء. إنها المناضلة المربية أمينة عارف الجراح، التي كانت في جميع مواقعها، طيبة بحزم، لطيفة بموضوعية، وأمينة في كل المواقف والظروف.ويعود أصول العائلة إلى كردية الحسب والنسب, نزحت من مدينة السليمانية من كردستان العراق لتستقر في مدينة دمشق
ولدت في دمشق عام 1920، أمها مزين ووالدها عارف الجراح. عاشت سنواتها الثلاث الأولى في بيت بحي المهاجرين، وبعد وفاة  والدها الشاب بالحمى التيفية، وزواج أمها باعوا البيت وانتقلوا إلى حي الصالحية. نشأت أمينة، وتربت في كنف عمتها لطفية. وبفضل رعايتها وتوجيهها الفطري السليم، تبلورت شخصية أمينة، إنسانة ذات قلب طيب، وعقل متفتح للمعرفة. فمنها تعلمت الجرأة في المواقف، والحكمة في التصرف، والطيبة في التعامل، والنخوة في العطاء. وعنها أخذت مبادئ التربية السليمة، التي تقوم على الصراحة والاحترام المتبادل بين الكبير والصغير، وبين المعلم والتلميذ. وما العمة لطفية ومزاياها العديدة، إلا شاهد على نساء ذلك الجيل. فمع أن النساء في تلك الفترة من الزمن، لم يكن متعلمات ومثقفات، إلا أنهن قمن بدور مميز في المجتمع وفي تربية أولادهن، وذلك بفضل وعيهن الفطري وإنسانيتهن في التعامل، وحكمتهن في التوجيه.
***

الحزب الشيوعي والنضال:

 

تعد أمينة عارف الجراح في عصرها إحدى الرائدات، في مجال العمل السياسي. والفضل في هذا يعود، كما تقول، إلى أستاذها (نظيم الموصلي)، الذي أيقظها على الأسباب التاريخية والاقتصادية للظلم الاجتماعي، وأنار بأسلوب غير مباشر النواحي الإنسانية المضيئة، في التاريخ العربي والعالمي. فمنحها بذلك مقدرة للحكم على الأحداث، وخلق في نفسها ثورة على الظلم السائد في المجتمعات.
انتسبت إلى الحزب الشيوعي، وتبنت مبادئه الاشتراكية شعاراً ومنهجاً وموقفاً وعملاً. وكانت صادقة في عقيدتها، مخلصة في عملها، وفية لانتمائها. ولم تقبل مقولة انحسار الشيوعية، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. بل ظلت ملتزمة بالمبادئ التي اختارتها، حتى آخر لحظة وعي في حياتها.
اختارت طريق الكفاح، ضد جميع المعادين للإنسانية. وشاركت بل اعتداد، في العمل النضالي للحزب الشيوعي، حتى في أصعب الأوقات سرية. كان هذا العمل مصدر مسرة لها، يفرحها ويريح ضميرها ويمنحها طمأنينة داخلية. ولا عجب في ذلك، وهي التي ورثت جيناتها الثورية الوطنية عن والد شجاع، أحب الوطن وتصدى للانتداب الفرنسية، ونفي إلى جزيرة أرواد، مع مجموعة من زملائه الضباط الوطنيين.
تتذكر أمينة الملاحقة التي تعرضت لها، في حي لم يشهد من قبل ملاحقة سياسية لامرأة. فتقول: “سلوكنا الطيب وإخلاصنا في النضال، جعلا ثقة الناس حولنا لا تتزعزع.
فالسلطة أرادت إرهاب أهلي وأهل الحي وإساءة سمعتي، لكن ذلك زاد الجميع استنكاراً لهم وتعاطفاً معي”(1).
فقد أثبت الناس في سورية في مختلف المراحل، أنهم واحد في القضايا الإنسانية. لذا كان النبل الفطري الذي يتحلون به، يدفعهم إلى التعاطف مع ذوي المبادئ، وإلى مساندتهم وتحمل المخاطر من أجلهم.
تعرضت أمينة إلى ملاحقات ومضايقات وسجن واعتقال، وعن دورها في العمل النضالي الحزبي، تروي ما جرى معها في ذات مرة، فتقول: “عهد إلي الحزب عام 1947 بنقل رسالة إلى لبنان، فلبست الملاءة وحملت ابنتي وخبأت الرسالة في ترمس ماء. ركبت مع جار لنا يسوق سيارة أجرة، من دمشق إلى بيروت. عندما وصلنا إلى شتورا، علمنا بأن الطريق إلى بيروت مغلق بسبب تراكم الثلوج، وأن علينا الذهاب عن طريق مرجعيون. فأصابني دوار من طول الطريق، فأوقف السائق السيارة، وهبّ أحد الركاب وأخذ الترمس من يدي، ليصب على يدي الماء الذي فيه لأغسل وجهي. وخوفاً من أن يكتشف أمر الرسالة، أفقت واسترجعت منه الترمس، وقلت: إن فيه شراب البابونج لابنتي. وبهذا وصلت الرسالة بأمان(2).
لم تكن أمينة وحدها في مشوار النضال والملاحقات الأمنية، وإنما رافقها فيه زوجها نجاة قصاب حسن ورافقته. فعندما طلب الحزب من نجاة السفر إلى بيروت للتواري عن أنظار السلطة التي كانت تلاحق الشيوعيين، لحقت به أمينة وبقيا فيها عامين، اضطرا خلالهما إلى انتحال أسماء مختلفة باختلاف المكان الذي سكنا فيه.
مثلت أمينة رابطة النساء السوريات عام 1949 في مؤتمر نساء آسيا ــ إفريقيا، الذي عقد في الصين وكانت في بداية نهضتها. وقد تبنى المؤتمر شعارات تتعلق تضامن النساء في العالم أجمع، وبتأمين حقوق المرأة والطفل ورفع مكانتهما، وضرورة النضال للتحرر من الاستعمار ووقف الحرب العدوانية ودعم السلام العالمي.
وقد ظهر اهتمامها بالطفل، من خلال تعاطفها مع الأمهات في مسألة الحضانة عند الطلاق بين الزوجين، فتقول: “أمهات يبكين بحرقة، بعد رجوعهن من المحكمة الشرعية حيث انتزعت منهن باسم القانون فلذات أكبادهن، ليتم تسليمها للزوج”(3).
ورأت أن حل هذه المشكلات “لا يكون إلا في أن تناضل المرأة مع المستنيرين من الرجال لتبديل القوانين وجعلها إنسانية حقا”ً(4).
شغفت أمينة بالمطالعة، وكانت إذا أحبت كتاباً، تحس بأن علاقة صداقة تربطها بكاتبه.
وظل الكتاب جليسها المفضل، حتى في الظروف المادية الصعبة. وترد الفضل في ولعها بالمطالعة إلى جارهم عبد الرحمن أفندي التكريتي الذي ذلل الصعاب في دراستها، وجعل مكتبته الغنية تحت تصرفها.
***
المسيرة التربوية والإدارية:
أحبت أمينة الأطفال كثيراً، وعدت تربيتهم وتثقيفهم من أقدس المهمات. فكانت تنحني أمام ضحكة طفل، وتجد أن الله موجود في قلب طفل.
وبفضل هذه المشاعر الصادقة، تمكنت من أن تكون معلمة ناجحة ومديرة مميزة في مدرسة التطبيقات المسلكية. فتحلت بحزم في القرار، وبتفهم لمواقف زميلاتها، وبإنسانية في التعامل مع التلميذات. وبهذا كله، حققت في مدرستها سلوكاً تربوياً واجتماعياً نموذجياً متطوراً. فاستطاعت أن تلفت نظر المعلمات إلى أهمية المطالعة، وأن تخصص ساعتين في كل أسبوعين، لندوة تتحدث فيهما إحدى المعلمات عن كتاب تربوي قرأته وأعجبها. كما رسخت تطور السلوك التربوي والاجتماعي في المدرسة، من خلال تشكيل مجالس الآباء وفتح قناة تعاون بين الأسرة والمدرسة.
كانت بدايات العمل صعبة، بل ومتعثرة في بعض الأحيان. لكن مرور الأيام أنعش العلاقة بين الآباء والمدرسة، فمنحوا ثقتهم للجهاز الإداري والتعليمي، وأولوه اهتمامهم. وصاروا يحضرون الاجتماعات، ويقبلون على الندوات التربوية التي تنظمها المدرسة، ويحاضر فيها نخبة من المختصين في حقلي التربية والقانون، يناقشون فيها موضوعات متعددة، مثل الخلافات الزوجية وتأثيرها على الأولاد، مشكلة النطق عند الأطفال، الكذب والسرقة، والمشكلات الجنسية، وسوى ذلك من أمور تهم المدرسة والبيت والمجتمع. وكان من نتائج هذا التعاون بين المدرسة والآباء، أن ساهم المقتدرون منهم مادياً في صندوق التعاون للإنفاق على التلميذات الفقيرات.
أما الخطوة الأكثر إثارة، فكانت دعوة آباء تلميذات الصف الأول إلى حضور الدروس في القراءة الجميلة، التي كانت طريقة حديثة التطبيق. والغاية من هذه الدعوة هي اطلاع الآباء على أسلوب التعليم، لكي يتمكنوا من مساعدة بناتهم في الدراسة البيتية. والنجاح الذي تحقق من حضور الآباء، برهن على أن الناس خامة اجتماعية ممتازة تحتاج إلى من يكتشفها ويستنهضها لفعل الخير. فالإخلاص في العمل يعدي، كما تقول السيدة أمينة. والأفكار الجديدة لا بد من أن تأتي أكلها، إذا قيض الله لها من ينفذها بمحبة وشجاعة.
ومن إنجازاتها الرائدة في مجال التعليم، قيامها باستحداث شعبة للصف الخامس الابتدائي، يتم التعليم فيها على طريقة (دالتون) التي تقوم على مبادئ: الحرية، والمسؤولية، ومراعاة الفروق الفردية، والتعاون. تشجيعاً للتلميذ للاعتماد على نفسه في التنقيب عن المعلومات، ومناقشتها مع زملائه في الصف. وقد أعطت هذه الطريقة في التعليم نتائج باهرة، وقدمت للمدرسة تلميذات متفوقات.
شكَّل التعليم والارتقاء به، هاجساً عند أمينة الجراح فكانت دائمة التفكير بطريقة ترفع من مستواه، ومن مستوى المعلمات علمياً وتربوياً وحياتياً. وقد أفادها في هذا المجال، اطلاعها على القوانين الاجتماعية المطبقة في منظومة الدول الاشتراكية. فحاولت الاستفادة منها، وحلمت في تطبيقها في المدرسة وتعميمها في المجتمع، لما وجدت فيها من إعلاء لشأن الإنسان. فسعت جهدها ليكون في سورية مثل هذه القوانين أو بعضها على الأقل، وهي التي رفضت كل مظاهر التفاوت الطبقي واحتكار المال والموارد. كما حلمت بان يعيش الأطفال في عالم خالٍ من الاستغلال ومن الفقر والتشرد. فمسألة تشغيل الأطفال في البيوت أو في الشحاذة، كانت تؤلمها وتتمنى اندثارها من المجتمع. ولهذا طمحت إلى إقامة دورات تدريبية لعدد من التربويين، تؤهلهم للتعرف إلى إمكانات الأطفال وقدراتهم المدهشة، ومساعدتهم في تفجيرها إبداعاً وتفوقاً وتطوراً حضارياً.
تأثرت أمينة بالكلمات التي قالها الأديب تشيخوف لنظيره مكسيم غوركي عندما زاره في قريته، فتمثلتها فكراً وعملاً، واتخذتها هادياً لها في دفاعها عن المعلمات وعن المعلمين. وهي: “لو كان لدي نقود كثيرة، لأقمت هنا مصحاً للمدرسين الريفيين المرضى، ولشيدت مبنى مضيئاً بنوافذ كبيرة وأسقف عالية، ولزودته بمكتبة رائعة وبمختلف الآلات الموسيقية وبمنحل ومزرعة خضراوات وبستان فواكه، ولكان من الممكن تنظيم محاضرات في الزراعة والأرصاد. فالمدرس يا عزيزي بحاجة إلى معرفة كل شيء. وينبغي أن يكون فناناً ومصوراً، ومتيماً بعمله. فالدولة من غير شعب مثقف ثقافة واسعة، ستنهار. مثل بيت مبني من آجر، لم يحرق جيداً”.
ومن هذا المنطلق، تقدمت عام 1967 بتقرير إلى مديرية التربية، شكرت فيه جهود المعلمات في مدرستها، وضمنته مقترحات تتمنى تنفيذها دعماً لمسيرة العلم وتشجيعاً للمعلمة، للارتقاء بالمجتمع وبالوطن:
1 ــ تخصيص منح مالية للمعلمات المتفوقات.
2 ــ إيفاد معلمة أو أكثر كل سنة، إلى دورات اطلاعية تجدد معلوماتهن وأسلوبهن في تقديم المعلومة.
3 ــ السعي لمنح المتفوقات من المعلمات، وسام الاستحقاق السوري. فالوسام يكتسب معنى جديداً، حين يعطى للمكافحين على جبهة الفكر.
4 ــ السعي لاستصدار نص تشريعي، يسمح بإعطاء المتفوقين والمتفوقات في التعليم مدة خدمة إضافية، تضاف إلى سنوات الخدمة عند الإحالة إلى التقاعد، أسوة بالذين يخدمون في المناطق النائية.
5 ــ إعطاء المتفوقين والمتفوقات، أولوية في الحصول على قروض السكن.
ومع هذه المقترحات، أرفقت طلباً تلتمس فيه الموافقة على تخصيص غرفة صغيرة في المدرسة، تجهزها المعلمات الأمهات بالأسرّة والضروريات اللازمة للأطفال، ليستطعن في أثناء الدوام الإشراف على أولادهن ورعايتهن. وأظن أن مبادرتها هذه تسجل لها قصب السبق في هذا المجال.
ولا تنسى أمينة أن تشي إلى مساعدة زوجها لها، في عملها التربوي. فتقول: “كان زوجي أبو سلمى عوناً لنا في أكثر من ميدان. فهو يحرص على مساعدتي في عملي، ويقوم بكل ما يطلب منه كأب، ولأنه عمل في بداية حياته معلماً، أدرك حاجات التربية ومبادئها. فكان يشترك في الندوات ويؤلف القصائد أو يقتبس معانيها من كبار الكتاب، لتنشدها التلميذات في مختلف المناسبات(5).
***

                                  الحب والزواج:

                       تزوجت المحامي الكردي نجاة قصاب حسن

في الاجتماعات الحزبية، تعرفت أمينة إلى المحامي الشاب نجاة قصاب حسن، واتفقا على الزواج. رفضت عمتها لطفية ارتباطها بنجاة لأنه يعمل في السياسة، خوفاً عليها من مفاجآت الأيام. لم تتمكن أمينة من إقناع عمتها بالموافقة على نجاة زوجاً مناسباً لها اجتماعياً وثقافياً وعقائدياً، كما لم تتمكن هي أيضاً من التخلي عنه. وعندما تزوجت نجاة، بقيت عمتها عاتبة عليها، وانقطعت الصلة بينهما. لكن أمينة ظلت تحاول التقرب من عمتها لتليين موقفها، ولتؤكد لها محبتها وبأنها لم ترفض رأيها عناداً، وإنما لأنها نذرت روحها وجهدها، للمبدأ الذي اختارته هي وزوجها. فتقول لها: “المبدأ الذي اخترته، ليس غريباً عن طباعك الإنسانية، التي كان لك الفضل في توجيهي إليه. أما تعاطفت أخيراً معنا؟. ألم تطلبي من صديقنا المحبب عثمان أفندي، وهو الشيخ الوقور، أن يرافقني إلى بيروت عندما علمت أنني سأسافر إليها متنكرة لأستقل منها الطائرة إلى الصين، لحضور مؤتمر نساء آسيا وإفريقيا؟. ألم ترسلي لزوجي ولي الألبسة الداخلية الصوفية إلى السجن خوفاً علينا من البرد؟.(6).

ولم تتزحزح عمتها عن موقفها، ولا عن عنادها. أما الزوج الذي أحبته أمينة بقلبها وأفكارها، “فكان رجلاً ثابتاً على مبدئه، غيوراً على مصلحة وطنه وتقدمه الحضاري. يحب الناس ويفتش عن النواحي الإيجابية فيهم، فيقدرها ويعرف كيف يرجع السلبي في تصرفاتهم إلى أسباب خارجة عن نطاق قدرتهم ويعمل على تحويل هذه القدرات السلبية إلى أنفع..”(7).
أحاط نجاة بحبه أفراد أسرته وأسرة زوجته، فكان عطوفاً على الجميع خدوماً لهم. وقد أعجبت أمينة بحبه الدائم لأبويه، وبالعلاقة العميقة التي تربطه بهما، ولا سيما بوالدته التي احترم فيها المرأة بمعناها الواسع. وقد امتد حب أمينة لزوجها، إلى أهله مثلما امتد حبهم إليهم. وقد احتل حماها في نفسها مكانة مميزة، فكان إعجابها به مقروناً باحترام كبير، لما يتمتع به من رهافة حس وذوق وكياسة. كما كان هو يكرم فيها المرأة المستقيمة الملتزمة بمبدأ، أعطته كل طاقاتها. واللافت في موقف هذا الوالد، أنه كان يضيّق بتدينه المتزمت على كل النساء اللواتي حوله. في حين يحترم حرية كنته ويتقبل منها ما يأباه من الآخرين، وحتى من بناته. فكان يتستر على نشاطها السياسي، ويساعدها في مواقف الشدة. واحتراماً له وتقديراً لمشاعره، كانت أمينة تضع المنديل الأسود على رأسها ووجهها عندما تصبح على مقربة من البيت وعلى مرأى من سكان الحي، بالرغم من عدم قناعتها بذلك.
كما أحبت حماتها الوديعة الصابرة، ذات الإطلالة الأنيسة والبسمة اللطيفة والصوت الرقيق الألوف. صاحبة العينين الجميلتين اللتين تشعان رضا، على الرغم من التعب الذي كان يهدهما. وأشفقت عليها من كثرة الأعباء، حيث “كانت تقضي في كل يوم جزءاً كبيراً من وقتها وهي جالسة خلف طبق الغسيل، تغسل بيديها ثياب زوجها وأولادها بالماء الساخن والصابون والصودا وكانت تجلي الأواني الكثيرة في قدر كبيرة، تغلي فيها الماء على بابور الكاز، وتضيف إليه الرماد أو الأشنان أو الصابون ليكشط ما علق عليها من دهون. وفي المساء ترفع كفيها بعد دهنهما بمادة الفازلين، لتخفف من التشقق فيهما
أنجبت السيدة أمينة ثلاث بنات، سلمى وحنان وصفاء. سلمى فنانة، وأستاذة موسيقى مميزة. وحنان أستاذة مادتي النقد والمسرح في قسم اللغة الفرنسية بجامعة دمشق. وصفاء مربية، استطاعت بجهدها الطموح أن تؤسس مدرسة تعد من أهم المدارس الخاصة بدمشق.
العمل:
آمنت أمينة بالعمل، قيمة وحياة. فاتخذت شعاراً لها مقولة الشاعر اليوناني “هوسيودوس”: “اشتغل، فالعمل هو القانون الذي فرضته الآلهة على البشر. واحذر يوماً تضطر فيه أن تطلب بقلب منكسر ما تمسك به الرمق، من الجيران الذين يشيحون بوجوههم عنك. اشتغل، لتتخلص من الجوع”(9).
لهذا كانت ترى أن طبقة العمال، هي الطبقة الطليعية التي تحمل الأمل إلى الإنسانية للوصول إلى طريق السعادة المرجوة.
وقد شكلت أمها وعمتها، مثلاً أعلى لها في العمل الشريف وعدم الاتكال. فأمها تعلمت الخياطة وأتقنتها، وهي أم لثلاثة أولاد وصارت خياطة بالأجرة، لكي لا تحتاج أحداً، وأتقنت عمتها شك الخرز وهي في عمر متقدم، لتبيعه إلى التجار وتنفق على نفسها.
مارست أمينة في أثناء سكنها حي الصالحية عملاً منوعاً، شمل مختلف أنواع الحرف. فساعدت في أعمال المبيض والسمكري والحذّاء، وقضت في أيام العطل المدرسية الوقت عند الصيدلي، تصفّ البرشام على المنضدة، تملؤه بالدواء، تغطيه وتضعه بالظرف وتكتب عليه طريقة الاستعمال. وأحياناً تسجل الوصفات الطبية المكتوبة بالفرنسية، على الدفتر العام. ولم تكن هذه المساعدات لقاء مقابل مادي، وإنما للتسلية وملء الفراغ.

                                       المرأة:

شغلت أمينة وضعية المرأة في المجتمع، وما تتعرض له من ضغوط ومهانة. فانتقدت الزواج المتكرر للرجل، الذي يشكل في نظرها جريمة بحق المرأة، ولا سيما إذا لم يكن له مبرر. لكن المبررات عند الرجال كثيرة، كما تقول. فهي تعجب من تنكر الرجل لزوجة سعد بعشرتها، ومن تخليه عنها من أجل امرأة أخرى تفوقها شباباً أو جمالاً. وتعتقد أمينة بأن الشريعة والقوانين هي التي تسهل للرجل الزواج، مثنى وثلاث ورباع. وتشير إلى الدور السلبي الذي تلعبه الأدبيات الاجتماعية في تنشئة المرأة على أنها أدنى مرتبة من الرجل، لهذا فهو قوّام عليها وله الحق في أن يتزوج أو يطلق متى يشاء. وهذا الوضع اضطر المرأة للجوء إلى المشعوذين، ليعملوا لزوجها سحراً ويكتبوا له الحجب والرقوات، من أجل استمالته واستعادته.
تقدم أمينة في كتابها “أيامي كانت غنية”، نماذج نسائية مميزة في مقدمها عمتها المتنورة لطفية المرأة الوحيدة السافرة في حي الصالحية. وكان أهل الحي يتقبلون سفرها لأنهم يحترمون فيها المرأة المستقيمة الصادقة. وتروي أمينة حادثة جرت عندما كانت تلميذه في المدرسة الابتدائية، تدلل فيها على حكمة عمتها وذكائها، فتقول: “قصرت ذات مرة في حفظ أحد الدروس، مع أنني كنت من المتفوقات. فهددت المعلمة بإخراج التلميذات المقصرات، إلى (نص) الباحة. فلما وجدت أن المعلمة جادة في تنفيذ تهديدها، انسللت خارجة من المدرسة إلى البيت. أعلمت المديرة عمتي بالأمر، وطلبت منها الحضور إلى المدرسة. وعلى مسمع من المعلمات، أعلنت المديرة بكلمات قاسية استنكارها لتصرفي. عندها طلبت عمتي من المديرة، أن تعطيها ورقة نقلي من المدرسة. وقالت لها: يجب ألا تبقى أمينة في مدرسة، لا تحترم عذرها في التقصير مرة واحدة، بعد أن كان الاجتهاد دوماً من سماتها. ثم إن التصرف الذي قامت به، يجب ألا يؤدي إلى إهانة كرامتها وكرامة زميلاتها”(11). عند ذلك أيدت المعلمات موقف العمة، ووافقنها على وجهة نظرها، وبقيت أمينة في المدرسة. ونوهت بشفافية عمتها ورقتها. إذ كانت توقظها للذهاب إلى المدرسة بهدهدة على لحن يا حنينة، وكانت تعتمد الحكاية لتوصل إليها فكرتها التوجيهية. وتشير إلى أن عمتها وإن كانت في بعض الأحيان تراعي المحيط الذي تعيش فيه، إلا أنها كانت في الوقت ذاته، تتمسك بما تراه صحيحاً. وهذا ما حصل عندما رفضت نصيحة بعض الأصدقاء، بأن تخرج أمينة من المدرسة وتعلمها مهنة الخياطة.
كما تحكي عن أمها الجميلة ذات الأصول التركية، والتي تحمل لها أحلى المشاعر وأنبلها، مع أنها لم تسكن معها طويلاً. فلو لم يمت الوالد مبكراً، لعاشت في بيت هنيء مع أم حنون ووالد محب. لكن الوفاة اضطرت الأم للانتقال إلى بيت أختها المتزوجة، قبل أن تفكر بالزواج بسبب الوحدة النفسية والضائقة المادية. افتقدت أمينة أمها وعانت من غيابها، ومع ذلك رفضت أن تراها عقاباً لها على زواجها، وتضامناً مع موقف عمتها.

وتذكر بالخير المعلمات اللواتي تعلمت منهن وعلمن معها، فكن مربيات حقيقات ساهمن في إنجاح العمل التعليمي والتربيوي. منهن: المديرة خير النساء الحسيني التي كانت على قدر كبير من الإنسانية، تفكر بمن حولها وتريدهم أن يكونوا بخير. ورعت الطفولة في زمن لم يكن أحد في بلدنا، يقدر أن للطفولة حقوقاً. وعنها أخذت أمينة، مسلكها الإنساني في الإدارة. وبلقيس عوض، ونزيهة الحمصي، ونديدة القباني، وصبرية طرزي التي كان فضل كبير على طالبات ذلك الجيل، تعليمياً وتربوياً وإنسانياً. ولا سيما عندما صارت مفتشة على المدارس الابتدائية للإناث، فكانت بذلك أول سيدة تستلم منصباً حكومياً. فأقام لها الاتحاد النسائي بهذه المناسبة حفلاً تكريماً على مدرج الجامعة السورية.

ونازك خباز التي شجعت الطالبات على المطالعة، وعملت على تزويد مكتبة مدرسة التطبيقات بسلاسل من الكتب المشوقة، وأقامت ندوات تناقش فيها التلميذات القصص التي قرأنها. وهيفاء الدقر مشرفة اللجنة الرياضية في المدرسة، التي كانت تبعث الحماسة وتبث الروح الرياضية في نفوس التلميذات.
ونبيلة أبو الشامات، معلمة الموسيقا التي استطاعت أن تخلق في تلميذاتها القدرة على الأداء الجيد والانسجام التام، وأحرزت للمدرسة الجائزة الأولى في مهرجان الموسيقا العام الذي أقيم في دمشق في ذلك الحين.
ولا تنسى معلمتها في دروس اللغة العربية في الصفين الرابع والخامس الابتدائيين، السيدة مليحة سعيد، التي نبهتها إلى جمال اللغة وعلمتها أن تتذوق الكلمة الأدبية.
***

                             الحي والبيت الدمشقي، والجيران:

تذكر أمينة في كتابها، أن حارتهم الأصلية هي حارة القولي في حي ساروجة، أي قبل أن ينتقلوا أهلها إلى حي المهاجرين فالصالحية. ففي ذات مرة وعندما هاجها الحنين، ذهبت إلى الأزقة في تلك الحارة، فمرت من تحت الأقواس ورأت “البوابات العريضة والضيقة التي يحيط بها الرخام الوردي والأسود أو الأبيض والأسود، وعليها تلك السقاطات المصنوعة بفن وعناية على شكل يد من النحاس الأصفر يزين أصابعها خاتم وتمسك بحجر دائري يقرع به الباب ليجيبك صوت من الداخل، مين؟

فأخذتها ذكرياتها إلى بيت القريشي، الذي كان “بابه من الأبواب الضيقة ذات الدرفتين، ولكنه عال يعطي انطباعاً من الهيبة والأصالة. كنت أدخل منه إلى ممر مسقوف هو الدهليز وعلى جانبه الأيسر قاعة لاستقبال الضيوف الأغراب من الرجال لكي لا يضطروا الولوج إلى الباحة. ولهذه القاعة باب آخر يطل على صحن الدار. على جانب الممر يوجد أصص من نباتات دائمة الخضرة، مثل السيف وورق الليمون. وتتوسط الباحة بحرة كبيرة من الرخام الوردي وفي وسطها فسقية يتدفق منها الماء. وفي صدر الدار الليوان صفت على يمينه ويساره أرائك لجلوس أهل الدار وضيوفهم. في الجانب الآخر من الباحة باب يؤدي إلى مطبخ واسع بارد بطبيعة بنائه يغني عن ثلاجات اليوم

وقد أخذ بلب أمينة اليافعة، مصباح كهربائي موضوع على كومودينة في غرفة نوم بيت القريشي، حتى أنها لم تتمنى عندما تتزوج سوى أن يكون لها مصباح كهربائي بجانب السرير، وسجاد يلصق على درج البيت بقضبان صفر رفيعة. وإذا كانت قد استغنت عن السجاد على الدرج، فإنها لم تستغن عن المصباح الذي أتيح لها أن تحصل على أنواع مختلفة منه. لكنها كما قالت: “لم تبلغ أبداً جمال ذلك المصباح السحري الذي كان حلمي الطفولي يريني إياه بشكل أجمل من الرؤية الواقعية”(14).

وفي ذات مرة خطر لها أن تعود إلى حارة قولي وترى ماذا حل ببيت القريشي، فصدمها الواقع، وتقول: “أشفقت على روعة ذكرياتي أن تتلاشى، وخفت على مصباحي السحري أن ينكسر، وينفلت منه مارد الذكريات إلى غير رجعة(15).***

وهكذا عندما تكون الطفولة تمثلاً لما في البيئة الشعبية من أصالة.. وعندما يكون هوى الشباب نضالاً في سبيل عالم أفضل.. عندما يكون النضج عطاء للأجيال.. وعندما تكون صاحبة التجربة امرأة مربية ومناضلة، تصبح الحياة أفضل.. والأيام أغنى.