نوسوسيال

بقلم الكاتب السوري القاص ضياء اسكندر : (( المفتاح ))

81

 

 

 

لم ينبس ببنت شفة، عندما صرخ المحقّق في وجهه عند آخر استدعاءٍ له، بعد نشره مادة صحفية يفضح فيها أسباب ارتفاع الدولار وتدهور القوة الشرائية للعملة الوطنية، محمّلاً السلطة وفاسديها الكبار مسؤولية ذلك، مما زاد من غضب المحقّق الذي رماه بأشرس ما عنده من نظرات الاحتقار، قائلاً له: «لا شكّ في أنك متابع لما تصدره السلطات المختصة من قوانين تتناول فيها الحاقدين على الوطن أمثالك، وأعتقد أنك قرأت قانون «جرائم المعلوماتية». أنصحك بألّا تجرّب استفزازنا مجدداً، فقد سبق لك وجرّبتنا وعرفتَ النتيجة». ثم طعنه بابتسامة متشفّية لئيمة وتابع: «إن كنّا قد اكتفينا في المرة الأخيرة بالعقوبة التي ذقتَ مرارتها فهي لا شيء، وتُعَدُّ بروڤة قياساً بما ينتظرك لاحقاً في حال بقيتَ راكباً رأسك. عُدْ إلى رشدك يا بني آدم، واحترمْ شيخوختك، واقعُد في بيتك هادئاً عاقلاً. أليس أفضل لك من حروبك الدونكيشوتية التي لا طائل منها؟». ثم أمره بتلويحة مشمئزة من يده أن ينصرف من أمامه، خاتماً تهديده بالقول: «هيّا انقلع من وجهي ولا تريني خلقتك بعد الآن».

كان يسمعه وهو مطرِق الرأس، يصغي إلى وابل الكلمات العنيفة التي تنهمر عليه كالسيل المدرار. خُيِّلَ إليه أن هذا المحقق الماثل أمامه لا يهدّده فحسب، وإنما يجرّعه السمّ بيده تجريعاً.

عاد إلى بيته يجمع شتات أفكاره المتنازعة، وشرع خياله يستعرض جميع الطرق التي يمكنه ـــ من خلالها ـــ مواصلة نشاطه السياسي والصحفي وهو في منأى عن الاعتقال. إلى أن استقرّ خياره على فكرة الانتقال إلى منطقة في البلاد، خارج سيطرة النظام وتخضع لسلطة المعارضة.

عندما أخبر أسرته بعزمه ذاك، وقف الجميع ضده، وأظهروا له أنه لن يتلقّى العقاب بمفرده بإصراره على مناطحة السلطة، بل سيتلقّاه كلّ من يمتُّ له بصلة، وفي مقدّمتهم أقرب الناس إليه، وأن عليه الاقتناع ــ بعد نصف قرن من النضال ــ أن العين لا تقاوم المخرز.

صمت طويلاً، ثم ارتسمت على وجهه علامات التحدي، مفصحةً عن مكنونات شخص بلغ به التصميم حدّ الاستماتة، وأجابهم بهدوء: «لن أغيّر مسار حياتي قيد أنملة، وأقعد مستكيناً للظلم والذل والحرمان والإفساد الممنهج.. ثم أنه لم يعدْ أحدٌ منكم بحاجة إلي. لقد كبرتم وأصبحتم في غِنى عني. دعوني أقضي ما تبقّى لي من العمر كما يحلو لي»، وأنهى مداخلته القصيرة قائلاً بصوتٍ متهدّجٍ: «فقط أوصيكم بأمّكم».

ثم انكبَّ على إجراء اتصالاته مع رفاقه في الحزب بالمنطقة التي اعتزم السفر إليها. وبعد أيام قليلة حزم حقيبته وودَّع أفراد أسرته وسافر سرّاً، وسط سخطهم واستنكارهم لهذه الخاتمة التي اختارها في الشطر الأخير من حياته.

*   *   *

عند بلوغه مقصده، استقبله رفاقه بحفاوة وأمّنوا له عملاً في وكالة أنباء، وبيتاً بالإيجار تم تجهيزه بأهمّ مستلزمات العيش، بعد ترميمه على وجه السرعة. فقد كان مهجوراً ومتصدّعاً وأشبه بالخرابة. بعد بضعة أيام أحسَّ بالأمان والطمأنينة وتبدّدت هواجس الخوف لديه، وشعر أنه أصبح حرّاً إلى حدٍّ ما. واعتاد على بيته ووظيفته، وازدادت غزارة إنتاجه في كتاباته الأدبية والسياسية، إلّا أن خاطراً مزعجاً كان ينغّص عليه حياته كل يوم، وهو احتمال فقدانه لمفتاح البيت. إذ كان يحرص على قفل بابه ثلاث طقّات ويضع المفتاح في جزدانه الذي يحوي وثائقه الشخصية، بالإضافة إلى هاتفه النقّال وعلبة دخانه وراتبه الشهري، كلما غادر بيته متوجهاً إلى مقرّ عمله أو لزيارة صديق أو للتبضّع من السوق، أو حتى إلى دكان مجاور.

ويمضي في طريقه مطمئناً لا يشغله سوى وسواس ضياع المفتاح لسببٍ ما، فقد كان يتولّاه هذا الوسواس باستمرار، متخيّلاً سيناريوهات شتى؛ كأن ينتشل أحد اللصوص جزدانه ويفرَّ هارباً، أو يسقط المفتاح من الجزدان الذي أشرفَ على التقاعد بسبب قِدمه واهتراء بعض جوانبه، لا سيما قعره الذي قام بخياطته عدة مرات. كما أنه لا يجرؤ على ترك المفتاح في يده عندما يتمشّى في الشوارع شابكاً حلقته بإحدى أصابعه، وخاصةً عندما يقترب من فوهة مطرية على جانب الرصيف، تجده يقبض عليه بقوة خشية سقوطه، متسائلاً في سرّه: «ماذا لو سقط المفتاح في هذه الفوهة؟ كيف سأرفع غطاءها الحديدي الثقيل وأبدأ بالبحث عن المفتاح الذي قد يغوص إلى أعماق المجرور؟ هل أستنجد بالمارّة؟ ما هو موقفي عندما يضبطني أحدهم وأنا أعبث بالفوهة المطرية؟ ماذا سيقولون عني؟». وسرعان ما يضع المفتاح في جيبه بعد أن يتأكد من خلوّه من الثقوب، لتعود أسئلته مجدّداً: «ما الضمان ألّا يحفر المفتاح اللعين بمقدّمته التي تشبه المنشار ذلك الجيب ويسقط منه؟ ولكن هل يعقل أن ّلا أحسَّ بارتطامه عند سقوطه على قدمي؟ نعم من الممكن ألّا أحسَّ به ولا أسمع رنينه عند اصطدامه بالأرض، فالشوارع تضجُّ بأصوات المولّدات الكهربائية لتغذية البيوت بعد أن عجزت، أو الأصحّ، تقاعست الدولة عن تأمين الكهرباء للمواطنين إلّا ساعتين في اليوم. تُرى، ماذا سيحلُّ بي عندئذٍ؟ كيف سأدخل بيتي عند عودتي إليه؟! بسيطة، سألجأ إلى الجيران وأطلب منهم المساعدة في خلع الباب بسبب ضياع مفتاحي. طيب وبعدها، ألن يكلّفني إصلاح الباب مبلغاً يفوق قدرتي المالية؟ فراتبي الهزيل بالكاد يكفيني للطعام والدواء وأجور النقل.. أووف، يا ربي أي محنة أنا فيها!؟».

ولو اقتصر الأمر، في وسواسه، على وقت مغادرته بيته؛ لهان الأمرُ، لكنه كان أيضاً يقفل الباب من الداخل عندما يحلُّ الليل ويحين موعد نومه، ولكن طقّة واحدة. فهو يشعر بالأمان جزئياً في هذه الحالة. وما إن يأوي إلى فراشه حتى تقرع مخيّلته تساؤلات جديدة؛ «لنفترض أنني أُصِبتُ بعارضٍ صحي مفاجئ يستدعي نقلي إلى المشفى، وهذا العارض الصحي من الجسامة بحيث لا يمكنني الانتقال إلى الباب لأفتحه بعد الاتصال بأصدقائي ورفاقي الذين سيهبّون حتماً لنجدتي. أيضاً سيضطرّون لخلع الباب وما يترتب على ذلك من نفقات ليس بمقدوري دفعها، ومن غير المعقول أن ألجأ إلى أصدقائي في كل محنة مالية أتعرّض لها، وما أكثرها».

لينتقل بتساؤلاته بعدها إلى ما هو أدهى وأمرّ: «إذا وافتني المنيّة على حين غرّة، وأنا في سريري إثر تعرّضي لجلطة قلبية أو دماغية، ستتفسّخ وتتعفّن جثتي وتنبعث منها الروائح الكريهة حتى يفطن الجيران، أو يستفقدني زملائي في العمل ويدفعهم فضولهم لمعرفة مصيري. سيخلعون الباب ويجدونني في تلك الحالة الشنيعة، سأسبّب لهم بالتأكيد التقزّز والقرف عند نقلي من على السرير إلى برّاد المشفى، وسأُدفن في مقبرة الغرباء ولن يكون عدد المشيّعين فيها يتجاوز العشرة».

«ياه! ما أجمل أن أموت بين أهلي! أودّعهم، أسمع بكاءهم، ألمس مشاعرهم الحزينة الصادقة. يغسّلون جثماني ويكفّنوه وأُسجّى في تابوت أنيق، وأتقدّم موكبهم الجنائزي الحاشد والمهيب بحضور الأقارب والأصدقاء والمعارف. حيث أُوارى الثرى وفق الطقوس المتعارف عليها بكل احترام، وقد أحظى بحفل تأبين يليق بمسيرتي الطويلة التي قضيتها دفاعاً عن حقوقهم المسلوبة»

وأحياناً كان يتساءل بعدم اكتراث ليهوّن الأمر على نفسه: «طيب، ماذا لو أغلقتُ الباب دون قفله؟ سأفترض أن اللصوص سيتسلّلون إلى بيتي بقصد السرقة. أعتقد أنهم وبعد اطلاعهم على موجوداته سيُفرِغون ما في جيوبهم ويضعون محتوياتها على الطاولة رأفةً بي؛ ويغادرون حزانى. فأنا أعيش وحيداً وأغراض بيتي لا تتعدّى الاحتياجات الضرورية للسكن؛ سرير وعدّة مطبخ متواضعة، وبرّاد قديم تعطّل بعد أسبوع من استخدامه ولا أملك مالاً لإصلاحه. هاه، تذكّرت، ولا مال مكتنز لديّ لأخاف عليه من اللصوص؛ فراتبي لا أستطيع ادّخار ليرة واحدة منه، ويوجد لديّ عدة كراسي وطاولة بلاستيكية لاستقبال الضيوف، وما أقلّهم؛ فبيتي ليس مغرياً للزيارة لأسبابٍ عديدة؛ فهو يقع بعيداً في الأطراف العشوائية، والوصول إليه بعد آخر موقف سرفيس، يستغرق سيراً على الأقدام نحو ربع ساعة، والطريق المؤدّي إليه ترابي؛ موحلٌ شتاءً مغبرٌّ صيفاً، والراغب في زيارتي سيستخدم وسيلتَي نقل إذا انطلق من مركز المدينة. وحيث إن أجور المواصلات قد تضاعفت بسبب رفع الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية، فإن من ينوي زيارتي يحسب حساباً لكل ذلك. فمَن مِن الأصدقاء سيتكبّد عدة آلاف من الليرات ليشرّفني بزيارته؟».

ويتابع متسائلاً متجاوزاً كل المعوقات الأخرى: «ثم لنفرض بأن جهة ما أرادت اغتيالي أو اختطافي، هل سيصعب عليها خلع الباب، سواء كان مقفولاً بطقّة واحدة أو بثلاث طقّات؟».

تذكّر أخيراً بعد كل ما كابده من عذاب تلك التساؤلات، أنه لم يحمل مفتاحاً طيلة حياته قبل مجيئه إلى هنا؛ فخلال مرحلة شبابه أثناء سكنه مع أهله لم يكن لباب بيتهم مفتاح، فدائماً كان يشغل البيت أحد أفراد الأسرة، وبالتالي لا ضرورة لحمل مفتاح، وبعد زواجه كانت زوجته تمضي أغلب وقتها في البيت، وإذا اضطرّت لسببٍ ما لمغادرته، كانت تضع له المفتاح تحت طرف مسّاحة الأرجل على عتبة البيت، وإذا غادرا معاً كانت زوجته تدسُّ المفتاح في جزدانها، وهكذا إلى أن سكن وحيداً في هذه المنطقة.

فجأةً، لانت قسماته كاشفةً عن تعبير ما، يشبه ابتسامة متمنّعة شبه صدئة من قلة الاستعمال. وسطعت عيناه وومضتا كنجوم الفجر، وأخذت شمسٌ ما تتسلل خفيةً لتشرق في وجهه، وراح يحسُّ بالتدريج بما يحسُّ به المرء من الطمأنينة الكاملة بعد طول بكاء. فقد لمعت في رأسه فكرة ألهمته اتخاذ قرار لا رجعة عنه؛ بألّا يحمل المفتاح من الآن فصاعداً أبداً. تذكّر عتبة بيته ومسّاحة الأرجل التي كانت زوجته تضع المفتاح تحتها، وحيث إن آلام ظهره لم تبارحه منذ اعتقاله الأخير، ويصعب عليه الانحناء كثيراً لأخذ المفتاح من تحت المسّاحة، فقد ارتأى أن يعلّقه على مسمار قرب الباب على ارتفاع بمستوى رأسه، فيجنّبه مغبّة الانحناء، وهو الذي لم يعرف الانحناء إلّا عند تقبيل أولاده وأحفاده وأطفال الجيران.

 

القامشلي – أيلول 2022