نوسوسيال

حرب باردة في باريس… وأخرى ساخنة في طهران!

131

 

 

 

هل بدأت معركة خلافة الرئيس شيراك من الآن؟ وهل المعلن من البرنامج النووي الإيراني هو كل شيء، من وجهة نظر المراقبين؟ ثم هل يعني الدستور العراقي الجديد شيئاً آخر غير تكريس سلطة المؤسسات الدينية؟ أسئلة ثلاثة نضعها تحت دائرة الضوء، في جولة سريعة في الصحافة الفرنسية.

                                            الحرب السرية


عدد مجلة “الاكسبريس” لهذا الأسبوع استعاد موضوعاً مُحبباً إلى الجمهور الفرنسي هو حرب المواقع والنفوذ الباردة الدائرة بين قياديي الحزب الحاكم المقربين من الرئيس شيراك وهما رئيس الحكومة دومينيك دوفيلبان، ووزير داخليته نيكولا ساركوزي، وعلى رغم “المصالحة” الظاهرية التي تمت بين الرجلين منذ مئة يوم، هي تاريخ وزارة ما بعد رافاران، إلا أن تناقضاتهما يبدو أنها منهجية، ومتعذرة على الإصلاح والمصالحة العابرة. ويرى أريك ماندونيه كاتب التحقيق المطول عن “الحرب السرية” بين أبناء “الفيلق الشيراكي”، أن شعور دوفيلبان وساركوزي بأن الانتخابات الرئاسية لم يبق عليها سوى عشرين شهراً جعلهما يستنفران كل تحالفاتهما، ويدخلان من حين الى آخر في هجمات وهجمات مضادة، بانتظار الهجمات الكبيرة… ربما. ولعل هذين الرجلين يشتركان في سمات قليلة ويختلفان في أخرى أكثر ولكن لكل منهما أسلوبه وفهمه وتصوره لما ينبغي أن تكون عليه فرنسا، هذا إضافة إلى أنهما على المستوى الشخصي يعرفان بعضهما بعضاً منذ سنوات طويلة، ولا يعدمان مهارات المراوغة والمناورة، ومواهب توجيه الضربات من تحت الطاولة، واصطناع التحالفات الحقيقية، والمزيفة سواء بسواء. المعركة بدأت إذن والأمل الوحيد هو أن يتوافقا بكيفية أو بأخرى على إبرام “اتفاق جنتلمان”. والمشكلة أن إبرام هذا الاتفاق الأخير يحتم أن يكون طرفاه جنتلمان، فعلاً. ويسرد الكاتب تفاصيل ومواقف كثيرة تسجل احتكاك الرجلين أخيراً، ويقول إن المطلعين في كواليس الحزب الحاكم يعتبرون أن المعركة الصامتة الحالية بين خليفتي شيراك المفترضين لم تستأنف منذ أسابيع فقط لأنها لم تنقطع أصلاً من الأساس، كونها معركة وراثة سياسية لا ترحم.

                                    طهران.. إسلام أباد

هذا العنوان نشرت صحيفة لوموند مقالاً كتبته “تيريز ديلبك” ضمنته الكثير من التفاصيل والفرضيات بخصوص برنامج إيران النووي، مع ميل واضح إلى تغليب ضلوع أطراف باكستانية في مساعدة طهران فنياً، وبشكل أكبر مما هو معلن. ولعل إشارة الرئيس شيراك الأخيرة في الاجتماع السنوي التقليدي للسفراء الفرنسيين إلى أن مسلك إيران يكاد لا يترك طريقاً آخر غير إحالة ملفها إلى مجلس الأمن، تعبير عن الأسئلة والاستفهامات الرائجة الآن في الكثير من العواصم الغربية المعنية بالأمر. وأول هذه الاستفهامات يتعلق بطبيعة العلاقات النووية الإيرانية الباكستانية؟ ابتداء من المساعدة التي قدمتها إسلام أباد لطهران سنة 1987، والتي اكتشف وثيقة عن تفاصيلها المفتشون الدوليون، دون أن تعلنها إيران. كما أن ثمة تساؤلاً حول إمكانية ضلوع العالم النووي عبدالقدير خان في توفير يورانيوم عالي التخصيب لإيران سنة 2001، وهو ادعاء ذكرته منظمة “مجاهدي خلق” الإيرانية المعارضة في مؤتمر صحفي في نوفمبر 2004. ومعروف أن هذه المنظمة هي التي كشفت في أغسطس 2002 عن موقعي “ناتانز” و”آراك” النوويين اللذين تراقبهما الوكالة الدولية حالياً. ومما يدفع باتجاه افتراض المساعدة الخارجية ما اضطرت إيران للاعتراف به بعد اكتشاف آثار ليورانيوم عالي التخصيب في عدة مواقع تم تفتيشها. ولا تستبعد الكاتبة أن تكون تسريبات متعمدة دفعت للاعتقاد بفرضية الدور الباكستاني لأن البديل هو أن تكون إيران نفسها تمكنت بجهود ذاتية من تخصيب يورانيوم على هذا النحو، وهو أمر أخطر بكثير. وتختم الكاتبة في كلامها عن تشعبات البرنامج النووي الإيراني بالتساؤل عن موقع تتحدث المصادر المفتوحة عن كونه مثيراً للاهتمام. ففي مارس 2004، تم تدمير ستة مبانٍ في موقع لافيزان- شيان بطهران، وكان من الغريب الحفر في أرض الموقع من بعض الأماكن حتى عمق عدة أمتار، ربما بهدف الحيلولة دون أخذ عينات. وقد تم تدمير الموقع قبل عملية تفتيش دولي طلبت طهران تأجيلها خمسة أسابيع، وعندما تساءل المفتشون عن السبب قيل لهم إنه قد تقرر تحويل المكان إلى مساحة خضراء. ولأن الموقع كان تحت حراسة الباسدران، فإن الاستنتاج الوحيد الممكن –تقول الكاتبة- هو أن ما كان هناك لا يراد للمفتشين الدوليين رؤيته، أو تم نقله، ولكن إلى أين؟ لا أحد يعرف.

                                           الدستور العراقي

 

صحيفة “لوفيغارو” نشرت مقالاً كتبه “جوزيف جاكوب” تحدث فيه عما اعتبره “أسلمة مثيرة للقلق”، في مسودة الدستور العراقي الذي صادق عليه البرلمان هذا الأسبوع بانتظار عرضه على استفتاء شعبي خلال شهر أكتوبر المقبل. وبعد التعبير عن تخوفه من ازدياد نفوذ الدين والمؤسسة الدينية في الحياة السياسية العراقية يستعرض بعض الفقرات من مسودة الدستور المقترح وخاصة منها تلك المتعلقة بمكانة الإسلام باعتباره ديناً للشعب والدولة في العراق الجديد، ومنها المادة التي تنص على منع إصدار أي تشريع يتعارض مع الدين. ولكن المشكلة هي أن معظم مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان هي بالأساس ذات منشأ علماني غير ديني، وهذه مفارقة يتعين على التحالف السياسي الدافع باتجاه تمرير الدستور أن يجد حلاً لها من الآن. ثم إن الحضور الطاغي للخطاب الديني في مفردات الدستور يبدو ذا منزع شيعي واضح، وهذا يدعو إلى القلق حتى لو كانت المسودة نصت على حرية الممارسة الدينية لكل الأديان والطوائف، لأنها اشتملت على تخصيص بالذكر ورد في مواد معينة عن مكانة الحسينيات، وهي أماكن عبادة ذات حرمة خاصة لدى الشيعة تعادل مكانة المساجد لدى السنة. ويختم الكاتب بالقول إن “أسلمة” العراق لو تكرست ستصبح ذات آثار مأساوية على الشعب العراقي بقدرما ستكون هزيمة أخرى للمشروع الاميركي في بلاد الرافدين. لأنه بهذه الطريقة سيؤدي إلى ترسيخ السلطة الدينية من حيث أراد أصلاً ترسيخ الديمقراطية.