نوسوسيال

القاهرة – بقلم الأديب محمد هلال : 3 قصص قصيرة جدًا

145

 

 

 

 

                            1ــــ  قطتي الشيرازية

كلما رتقت ثقوب قلبي،  حفرتها قطتي الشيرازية  بأصابعها الحريرية ، وعيونها القاتلة  مثل بحر غضبان ..

قطتي لاتنام الليل ، وتعشق القهوة المرة ، وتغني : ” كذب من ادعى المحبة  وغفلت جفون عينيه ” .. وتذكر ابن عربي والحلاج  والسهروردي قتيل صلاح الدين ، وشعراء بني عذرة ..

قطتي الشيرازية تذوب شوقًا لحبات المطر ؛ ولذا أخشى قدوم الشتاء ، وأفرش قلبي أرضًا لماء السماء؛ حتى إذا ما ذابت توحدنا من جديد  .

                                                             *****************

 

                                            2 ـــ  سورالذكريات

 

يستهويه المرور فوق كوبري قصرالنيل.. ذلك الجسرالواصل بين ضفتي النهرالشرقية والغربية..يستنشق بعمق شديد الهواء المعطر برائحة الماء  مغمض العينين، وكأنه فى لذة عناق محبوب طال انتظاره ..

يقرأ بفرح طفولي كلمات الذكريات التي خطها المحبون على سوره الحديدي العتيق .. يربت بيده فوق نبض حروفها .. تطير به فراشات البهجة حالماً بعالم فردوسى الروعة للأجيال القادمة ، لامكان فيه لجنون الحروب ، يتمنى لو يمتد السور الحنون إلى آخر الدنيا  حتى يجد كل عاشق مكانًا لحروف أشواقه ..

أفزعه  ذات يوم  مايفعله عمال الطِلاء.. الطلاء الجديد يمحو ذكريات القلوب السعيدة، وكأن أحدًا لم يكتب كلمةً واحدةً ..

حدثهم .. سخروا منه ، واتهموه بالرقة والحنان .. جعل يراقبهم في استسلام قائد مهزوم ..

تزاحم فى رأسه ضجيج أصوات صراخ الجرحى وأسماء ملايين الضحايا ، وتطاير أوراق الورد وعقود  الفُل من أيدى الباعة وأنامل الصبايا ؛ فأغمض عينيه بشدة.. وكزه سؤال حزين : ” ترى كم مرةً دفن الطلاء الجديد القاتم الذكريات الجميلة ؟!” .

                                                       ********************  

                                3  ـــ  من حكايات العشاق

 

كانت عيناها تتسمّران في عينيّ ودموعها شلال لا يتوقف؛ همست شفتاها الورديتان الغارقتان بماء عينيها الساخن: هل ستنساني بعد موتي؟ هل ستزور قبري وتحدّثني كما كنت تحدثني بكلمات عِذاب؟

هل ما زالت عيناي عندك من أشد اللصوص، كما كنت تقول لي مذ أيام زواجنا الأولى؟ هل تذكر تلك المقولة أم تراك نسيتها؟!

أنا لم أنسها أبدا؛ كانت كلما جالت بخاطري وأنت خارج البيت، ضحكت فرحًا وهرولت إلى صورة زواجنا التي تُزيّن بيتنا، تحسستها بأصابعي، بُسْتها، لحستُ زجاج بروازها الذهبي؛ الأشهى عندي من لذة خمر الجنة.

أحفظها عن ظهر قلب كما رويتها لي؛ قيل لأعرابي عاشق: مَن أشد اللصوص؟ قال: عيون المرأة الحسناء! إذا نظرت إليك سرقت منك كل شيء وأنت تبتسم!

هل تذكر كلماتك المجنونة معي: أنتِ عِندي كالصلاة لربي؛ تنهاني عن الفحشاء والمنكر.

كنت صامتًا مثل إله حجري قديم لا حول لي؛ فقط أربت على كتفيها وأهمس: ثقي في اللـه.

جاء طبيب المشفي يستعجلنا لدخول “غرفة العمليات” فقد تأخر الوقت بنا وكل مساعديه جاهزون.

كان “كبد ” حبيبتي قد أصابه “التليف الكامل” وفشلت معه كل العلاجات ولا بد من عملية “زرع فص كبد سليم”.

في غرفة “العناية المركزة والإِفاقة” تجاور سريرها مع سرير المتبرع الذي توافقت تحليلات دمائهما وأنسجة خلاياهما.

********

 بعد أن ذهبت سطوة التخدير، وعاد الوعي وعادت الحياة .. مالت بعينيها ربما لترى وجه من تبرع لها بجزءٍ من كبده لتحيا به؛ وجَدَتْنِي أبتسم بوجهي الشاحب، وأحاول جاهدًا مد ذراعي الخالية من خراطيم المحاليل إليها لتتشابك أصابعنا كما كنا نفعل.