نوسوسيال

بقلم الكاتب السوري القاص ضياء اسكندر…الكوخ…

70

الكاتب السوري القاص ضياء اسكندر

((محمد) شابٌّ )) في الثلاثين من عمره، أنهى دراسته الجامعية (كلية الجغرافيا) في جامعة حلب. واختار العمل مع والده بالتمديدات الصحية لقلة فرص العمل؛ سواء في الدوائر الحكومية أو في القطاع الخاص. وخلال فترة وجيزة أتقن المهنة، وأصبح والده يعتمد عليه بشكلٍ رئيس في التعاقد مع أصحاب الورشات وشراء المواد المتعلقة بمهنته وغير ذلك، حتى صار معلّماً.

لم يغادر محمد محافظته خلال سنيّ حياته كلها إلا أثناء دعوته لأداء الخدمة العسكرية في العاصمة. إلا أنه وإثر اندلاع الأزمة السورية عام 2011 وتفاقمها وانسداد أفقها بعد عدة سنوات من اشتعالها، سُدَّت في وجهه جميع الدروب، وتفاقمت سوءاً أحوال معيشته كأغلب أصحاب المهن بمختلف مسمّياتها. عندئذٍ قرّر مغادرة موطنه والهجرة على غرار مئات الآلاف من أبناء بلده الذين غامروا ووصلوا إلى أوروبا. وأمام إصراره على السفر، باعت والدته مصاغها الذهبي وأعطته قيمته ليستعين بها في سفره.

وبعد رحلةٍ مضنية اجتاز خلالها عدة بلدان أوروبية إلى أن انتهى به المطاف إلى ألمانيا وتحديداً مدينة هامبورغ. مكث في أحد مخيمات اللجوء عامين، خضع خلالهما لعدة دورات في تعلّم اللغة الألمانية إلى أن أجادها تماماً. وكان من حسن حظه أنه تعرّف على فتاة ألمانية تدعى (رولينا) في السابعة والعشرين من عمرها كانت تدرّسه في المعهد. أحبّها في آخر دورة لتعلّم اللغة وبادلته المشاعر ذاتها. إلّا أن لقاءاتهما اقتصرت على الجلوس في المطاعم والكافتريات والتنزّه في بعض الحدائق والتهاتف باستخدام وسائل التواصل الحديثة.

 وبعد أن تعمّقت معرفتهما ببعض إلى حدٍّ ما، وافقت رولينا على المساكنة.

لم يكن محمد يعرف معنى المساكنة إطلاقاً. إلى أن شرحت له باقتضاب أنها تعني العيش المشترك بين شاب وصبية كأيّ زوجين ولكن دون عقد زواج. حيث يجرّبا إمكانية استمرار التفاهم والودّ بينهما. ففي الفترة التي يقضيانها معاً تحت سقف واحد يكتشفان بعضهما، فإذا وجدا اختلافات كثيرة يمكنهما الانفصال. وإذا كان العكس يقرّران بعد مدةٍ الزواج. ومن حق كل منهما خلال المساكنة العيش كما يريد دون أي محاذير أو محظورات طالما أنه لا يسبّب ضرراً لغيره.

أجابها مرتبكاً: ولكن المساكنة حرامٌ شرعاً في ديننا. ولا تجوز في الأعراف العربية ولا تطابق العادات والتقاليد. ثم ما ضير أن نسجّل زواجنا رسمياً، وفي حال عدم الاتفاق ننفصل بشكلٍ ودّي. وأعِدُكِ ألّا أفكّر بالأولاد مطلقاً قبل مضيّ ثلاث سنوات على زواجنا. أجابته: يا عزيزي المساكنة هي عبارة عن تمرين على الحياة الزوجية من حيث الالتزام وطرق التصرف مع الجنس الآخر. بينما الزواج يعني جملة من الالتزامات والقيود تكبّلنا من دون أيّ داعٍ لها. بكل الأحوال هذه قناعتي ولن أحيد عنها. فإذا وافقتَ يا مرحبا.

فكّر مليّاً بهذا العرض الذي باغته تماماً. وعاش حالة صراع داخلي عنيف؛ فهو من جهة ينحدر من بيئة متديّنة محافِظة؛ مؤمن، ملتزم، يؤدي الفروض الدينية الواجبة عليه بقناعة. وتحظّر تعاليم دينه عليه إتيان المرأة إلّا بعقد زواج. ومن جهة أخرى تتنازعه حاجته الملحّة لأنثى تطفئ لهيب شهوته المتقدة. لا سيما وأن رولينا تتمتع بخصالٍ حميدة؛ فهي فيّاضة الحسن، مرحة، ذكية.. وبعد تقليب رأيه من الجوانب كافة استقرَّ على أنها يمكن أن تكون الزوجة المثالية التي يحلم بها. وأنه قد يقنعها مع مرور الأيام باعتناق الدين الإسلامي.

في اليوم التالي، أخبرها بموافقته على المساكنة. ابتهجت رولينا لقراره واقترحت عليه بدايةً قضاء إجازتها السنوية معه في «قرية الأكواخ العشرة» الكائنة في غابةٍ جبلية بإحدى المناطق النائية في الدانمارك. حيث الهواء الطلق والجو النقي. والبعيدة عن الصخب والضوضاء. إذ لا كهرباء فيها ولا غاز ولا تلفزيون ولا اتصالات ولا ماء إلّا من النبع.. باختصار، حياة بدائية تماماً. موضّحةً أنه من خلال الإقامة في الكوخ لأسبوعين سيتعرّفان على بعضهما أكثر. وفي حال التفاهم، فإنها سترضى بالمساكنة معه بعد عودتهما إلى ألمانيا. وسارعت إلى الاتصال بمكتب الحجز ودفع ما يترتب عليها لقاء استئجار الكوخ عبر النت. وتم تحديد موعد الذهاب إلى قرية الأكواخ العشرة بعد أسبوع ليقوما بالتحضيرات اللازمة للإقامة فيها مدة خمسة عشر يوماً.

وفي الموعد المسمّى، سافرا بالقطار من هامبورغ إلى كوبنهاغن وقد اصطحب كلٌّ منهما حقيبة كبيرة فيها الكثير من مستلزمات العيش؛ من معلبات وخبز وبعض أنواع الخضار والفواكه التي تتحمّل التخزين المديد. بالإضافة إلى الثياب. واصطحبت رولينا زيادةً عنه كتاباً وآلة الجيتار التي تتقن العزف عليه بمهارة.

لدى بلوغهما العاصمة الدانماركية توجّها شمالاً نحو القرية الموعودة بواسطة عربة خيل حسب الاتفاق مع مكتب الحجز، في رحلةٍ ممتعة استمرت نحو الساعة إلى أن وصلا مقصدهما قُبيل الغروب بقليل. حيث كان بانتظارهما المشرف على قرية الأكواخ، وهو رجلٌ ستّيني يمتاز بلحيته البيضاء الكثيفة وقبّعته الصوفية الزرقاء وثيابه السميكة الداكنة بسبب برودة الطقس في هذه المنطقة الجبلية. خاصةً وأنه صادف اختيارهما لهذه الرحلة فصل الخريف، والذي لا يختلف كثيراً في برودته عن فصل الشتاء.

رحّب بهما المشرف واقتادهما إلى كوخهما. وبعد جولةٍ قصيرة في أرجاء الكوخ المؤلف من غرفة مغطّاة أرضيتها بفراء الغنم، فيها سرير عريض وطاولة وعدة كراسي وكلها مصنوعة من الخشب. ومطبخ صغير فيه مجموعة من الأواني الفخارية وبعض السلال المنسوجة من لحاء القصب، وموقد حطب. وحمّام، بالإضافة إلى عدّة صيد بسيطة مؤلفة من سنّارة وخيطان وخطافات.. لصيد السمك من النهر المحاذي للرابية التي يتموضع عليها الكوخ. أثناء تفقّدهما المكان سمعت رولينا ثغاء ماعز. فما كان منها إلّا أن سارعت متوسّلةً المشرف أن يعيرها عنزة تتكفّل برعايتها طيلة وجودهما لتؤنسانهما في هذا المكان المنعزل الموحش. فاستجاب المشرف باسماً وأفهمها أنها بوسعها أيضاً حلبها كل مساء وتناول الحليب اللذيذ. وما عليها إلّا أن تحضرها صباح كل يوم وتتنزّه معها في الغابة ساعتين وتعيدها بعد ذلك إلى الحظيرة التي لا تبعد كثيراً عن الكوخ.

بعد انصراف المشرف، استلقيا على السرير وقد هدّهما التعب جرّاء رحلتهما الطويلة. وطفقا ينعمان بهدوء الطبيعة وسكونها وبزقزقة العصافير التي تتهيّأ للمبيت في أعشاشها.

لم يكن محمد قد قطف من رولينا أيّ قبلة رغم حبه لها منذ أكثر من شهرين. وبعد لحظات من الراحة والتأمّل استدارت رولينا نحوه وبدأت تتأمّله. فهو شابٌّ وسيم هادئ أسمر اللون خلوق يتمتع بجاذبية لافتة.. مدّت ذراعها وطوّقته فاجتاحته قشعريرة لم يشعر بمثلها من قبل. فهذه أول مرة في حياته يختلي بامرأة. وما هي إلا لحظات حتى كانا يتبادلان القُبل ويستمتعان برحيقها.. حاول أن يكمل اللقاء بما يشتهي، فطلبت منه أولاً إشعال النار في الموقد فالجوّ باردٌ ويصعب عليها التعرّي. وفي غضون دقائق قليلة وضع بضع حطبات كانت قرب الموقد وقام بإيقادها. وهرع إلى خلع ثيابه.

فوجئ بفقدان عذريتها. وكاد أن ينسحب، إلّا أن لهفة الوصول إلى مبتغاه جعلته يتغاضى ويستأنف معها حتى بلوغهما النشوة.

وبعد صمتٍ قصير قال لها بحزن: رولينا! كم مرة مارستِ الجنس قبلي؟

فوجئت رولينا وذُهِلت من سؤاله الفظّ الذي لا ينطوي على الاستفسار وحسب، بل وعلى الاستنكار أيضاً. ردّت عليه وهي تتفرّس به بنظرةٍ غضبى: وما شأنك بذلك؟

أحسَّ بأنه تسرّع بهذا السؤال واعتذر منها راجياً أن تنسى ما قاله. متذرّعاً بأن سؤاله كان من قبيل المداعبة والمزاح. واعترف لها بأن لقاءه الجنسي في هذه الأمسية، هو الأول في حياته. واقترح عليها الاستسلام لسلطان النوم، ليقوما صباحاً بجولتهما والتعرّف على معالم المنطقة.

وكان سؤاله لرولينا عن عذريتها أول خلاف بينهما، بل أول صدمة لكليهما.

في صبيحة اليوم التالي توجّها إلى حظيرة الماعز واختارت رولينا عنزة بيضاء اللون من بين مجموعة من العنزات المتعددة الألوان، واصطحباها باتجاه جبلٍ مجاورٍ شاهق يتفقدان معالمه. كانت تغمرهما الغبطة والسعادة أثناء تجوالهما عندما يلمحان أرنباً يثب بين الحراج والأجمات، أو سنجاباً يتقافز من غصنٍ إلى آخر في أعالي الأشجار، أو بعض الثعالب تعدو بين الأحراش الكثيفة. فيتضاحكان ويركضان باتجاهها وكأنهما يريدان اللعب معها.

رولينا خبيرة بأنواع الفطر فقد حوّشت مجموعة منه تكفيهما ليومٍ واحد للشواء، وبعض الزهور البرية لتزيّن بها الطاولة، وقفلا عائدين عند الظهيرة. حيث أودعت العنزة في الحظيرة وتوجّها بعدها إلى نبع الماء الذي يبعد عن الكوخ حوالي خمسمائة متر. ومعهما جرّتان من الفخار.

وفي ثاني مساء من قدومهما، وبعد أن أضرم محمد النار واستلقى على السرير منتظراً رولينا للحاق به. أشعلت رولينا شمعتين وأحضرت علبة مارتديلا لحم خنزير وزجاجة نبيذ من حقيبتها وطلبت منه مساعدتها في فتحها. امتعض بشدة هاتفاً بأنه لا يملك خبرة في هذا المجال ولم يسبق له أن تناول أيّ نوعٍ من الخمور. ولم ولن يتذوّق لحم الخنزير أبداً، فدينه يمنعه من ذلك. وطلب منها برجاء أن تستغني عن هذه الزجاجة اللعينة وعن لحم الخنزير المثير للاشمئزاز. لم تأبه له واكتفت بتسديد نظرة زاجرة نحوه وفتحت الزجاجة بعد عناء وهي تغمغم حانقةً وشربت كأساً منها ما جعل مزاجها يتحسّن قليلاً. وشرعت تتناول بعض القطع من المرتديلا وهي تتلمّظ بمرح لتشجّعه على مشاركتها. إلا أنه أخذ يستغفر ربه مستنكراً فعلتها الشنيعة.

بعد العشاء تناولت الجيتار وبدأت تعزف مجموعة من الألحان. وهو صامت لا يفقه شيئاً من موسيقاها الكلاسيكية. وبدأ الملل يتسرّب إلى أعماقه. فجأةً توقفت عن العزف وسألته والبسمة على محيّاها: ماذا تريد أن أعزف لك؟ فأجابها بعد لأيٍ: يا ليت لو تعزفين لي أنشودة «طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع». قالت له لم أسمع بها سابقاً. دندِنْ لحنها وأنا أعزفها لك. وأخذ يدندن لحنها وهو يتذكّر المناسبات الدينية التي كان يتوهّج شوقاً لاستعادتها في هذا البلد الأوروبي الكافر.

بعد فراغها من عزفها قالت له:

–      الحقيقة إن لحنها عذب.

–      إنها أنشودة إسلامية تراثية.. ليتك تجيدين اللغة العربية يا رولينا لتقرأي كتاب الله عزَّ وجلّ “القرآن الكريم”. إنه معجزة هذا الزمان.

–      سبق وقرأت الكثير عن الأديان ومنها دينكم الإسلامي.

–      وكيف وجدتِهِ؟

–      كغيره من الأديان لا يخلو من الإيجابيات والسلبيات..

–      ولكن ديننا يُعدّ من خيرة الأديان فهو آخر الرسالات السماوية وجاء ليسدَّ الثغرات التي اعتورت ما سبقته من أديان. فنبينا محمد (ص) قال «وإنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق».

–      يا عزيزي.. كل متديّن يعدُّ دينه أفضل الأديان وأكملها طرّاً. ثم من فينا قرأ ودرس جميع الأديان وأجرى مقارنة بينها واختار عن وعي وثقافة ديناً محدداً؟ لنكن واقعيين. لقد ورثنا انتماءاتنا كما ورثنا أشكالنا.

–      كم سأكون سعيداً لو أنك تدينين بالإسلام وترتدين الحجاب يا رولينا!

–      أهاه! وما به الدين المسيحي؟ ألا يدعو إلى الإيمان بالله الواحد، ويحضّ على عمل الخير ويُنهي عن كل ما يؤذي الإنسان؟ ثم هل تتوقع في يومٍ من الأيام أن أطلب منك ترك دينك والانتماء إلى دين آخر؟ غريب أمرك يا محمد!

كانت عيناه ترمشان فيما هي تقول ذلك. وصمت متضايقاً لا يحير جواباً.

وهكذا أمضيا عدة أيام بالبرنامج ذاته؛ وبالخلافات المتنوعة؛ عند الصباح يذهبان إلى النبع لجلب الماء، ثم يقومان بجولة في ربوع الغابة ترافقهما العنزة البيضاء ترعى من أعشاب الغابة. يصادفان أحياناً بعض الجيران ممن استأجروا مثلهما أكواخاً متباعدة إمعاناً في العزلة، فيلقون على بعضهم التحيات ويتبادلون عبارات المجاملة ويتحدثون عن أنواع الفطر والأسماك التي قاموا باصطيادها.. وعند الغداء، رولينا تقرأ في كتابها، ومحمد يؤدي الصلوات التي فاتته مستغفراً ربّه عن أفعاله الشائنة في هذه الرحلة. ثم يتناقشان بأمورٍ شتى يكتنف جُلَّها تباين وجهات النظر. وعند العصر يتجهان إلى النهر لصيد السمك. وعند المساء تحلب رولينا العنزة وتعود لإعداد العشاء المكون من الفطر والسمك المشويين. ثم عزف على الجيتار.. فممارسة الحب، فالنوم.

وبعد أسبوعٍ من إقامتهما، وبينما كانت تجلس على كرسيّ تقرأ في كتابها، حدّثها محمد عن تذمّره من بعد النبع عن الكوخ، واقترح عليها أن يوصي المشرف على الأكواخ شراء (خرطوم) طويل يربطه بفم الينبوع ويمدّه إلى كوخهما ويركّب في طرفه حنفية، ليتجنّبا مشقّة الذهاب والإياب إلى النبع مع الجرار مرتين أو ثلاث يومياً..

نظرت إليه معاتبةً وزفرت زفرةً بدت وكأنها صادرة من أعمق أعماقها. وأغلقت كتابها منرفزةً وأجابته بشيء من الحنق والتأنيب:

–      جمالية الإقامة في هذا الكوخ تكمن في بعده عن النبع هذه المسافة. كيف سنستمتع بصوت خرير المياه في الساقية التي يرفدها النبع إذا ما نفّذنا اقتراحك الغريب هذا!؟ كيف سنراقب نموّ الحشائش والسراخس والزهور البرية التي تعانق جريانه؟ هل فكّرتَ بمدى فداحة خسارتنا إذا ما اكتفينا بالمكوث في هذا الكوخ وامتنعنا عن رؤية الطيور وهي تسبح بسعادة في البركة المتشكلة من مصبّ النبع؟ ثم هذا الدرب المتعرّج ما بين الكوخ والنبع، هل نسيت كم هي حجارته وحصياته جميلة بأشكالها وألوانها الأخاذة؟! وهل يسعدك حرمان التلذّذ من رؤيتها؟! لن أذكّرك بزوّار القرية الوديعة والتمتع بمرآهم، أم أنك لم تعد بحاجة لتبادل التحيات مع رجالها وصباياها والانشراح ببسماتهم العفوية والصادقة؟! وختمت محاضرتها بالقول: ولا يخفى عليك طبعاً أن هناك أشياء يستعصي التعبير عنها بالكلمات. وأردفت قائلةً بعد دقيقة صمت: أنا لا أستطيع أن أتخيّل، إلّا بشقّ النفس، أن تراودك فكرة سخيفة كهذه!

لدى سماعه ما قالته، عاصفة من الخجل الحادّ لفَّته من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. فقد أكربه انطباعها عنه، بدلاً من الإطراء الذي كان يرتقبه. وفي غمرة اليأس الذي ألمَّ به في تلك اللحظة الحرجة، انتحل عذراً كاذباً وقال لها بصوتٍ فيه رنّة ندم وهو يطلق ابتسامة مصطنعة:

–      هه، صدّقيني كنت أمزح معك. وأوافقك الرأي على ما تفضّلتِ به. بل وأزيد عليه بأن سحر الإقامة هنا كان سيتلاشى لو رضيتِ باقتراحي الذي شخصياً لست مقتنعاً به. وإنما جرّبتُ طرحه لألمسَ ردّة فعلك. أنا في غاية الحبور والغبطة من أننا متماثلان بالمزاج والمشاعر والسجايا. ياه! كم أنا محظوظٌ بك يا رولينا!

كان ردّه نقطة الماء الإضافية التي طفحت الكيل. وجمت قليلاً ثم رمقته بنظرةٍ مترددة متفحّصة وهي تستجوبه بعينيها لتتيقّن من صحة ما تفوّه به، وهي المحنّكة والقادرة على قراءة ما هو متوارٍ بين السطور. فما كان منه إلّا أن سارع إلى ضمّها هرباً من مواجهتها كي لا تفضحه نظراته الحائرة. أبعدته عنها برفق وقالت بلهجةٍ مرتابة مليئة بالشكّ والاستفهام:

– ولكنك كنت تتحدّث بجدّية يا محمد! لماذا لا تثبت على رأيك وتدافع عنه؟!

ثم ركّزت نظرها عليه بعين واعية متحرّية وقد ارتسمت علائم التحدي على محيّاها بعد أن تراكمت لديها غلّة من الانطباعات السلبية عنه. وقالت بعد أن شدّت من جِذْعها بما يشبه التصميم والحسم:

–      تعال اجلس بجانبي أحدّثك حديثاً قصيراً، وربما كان آخر حديثٍ بيني وبينك، ثم لا أراك بعد ذلك ولا تراني.

 ذُعِرَ ذعراً شديداً وداخله من الرعب والهول ما ملك عليه عقله ولسانه، فلم يستطع أن يقول شيئاً وظلّ ينظر إلى وجهها نظرة المتهم إلى وجه قاضيه ساعة نطقه بالحكم. فأنشأت تقول:

  • عرفتك يا محمد شابّاً كريماً وفياً، وأعلم أنك تحبني حبّاً جمّاً، وأنك ستكابد في ابتعادك عني عذاباً كثيراً. ولكن، ألم تلاحظ حجم الخلافات فيما بيننا؟ هل أدركتَ كم هي المساكنة مهمة وضرورية لمعرفة الآخر؟ لقد بات واضحاً أنه لا سبيل للعيش المشترك بيننا. لأن النتيجة معروفة؛ فالمستقبل نتيجة الحاضر وثمرته الطبيعية. إنني وبكل أسف أرى مستقبل علاقتنا بوضوح. لذلك أقترح عليك أن نضبَّ أغراضنا صباح الغد ونعود في أول رحلةٍ بالقطار إلى ألمانيا.

  •  لكنني أحبك يا رولينا، بل أعبدك بعد الله تعالى!

  • لا يكفي الحب لاستمرار علاقتنا إن لم يقترن بالتفاهم والانسجام. فألم شوكةٍ واحدة تُنسي المرء لذّة مائة وردة يشمّها. ثق تماماً أن مشاعرنا الودّية ستتلاشى تدريجياً وقد تنقلب إلى الضجر والنفور.

أجابها وسحابة غبراء من الحزن تعلو جبينه وقد أيقن أنه خسرها إلى الأبد:

  • عشتُ في ظلال الفضيلة والشرف سعيداً طيلة عمري، ويصعب عليّ التأقلم مع عاداتكم وأعرافكم يا رولينا. فإذا كان قرارك هذا لا رجعة عنه، فلا يسعني إلا احترامه وتنفيذه مكرهاً.

***

وجاء الليل فقضاه محمد ساهراً على ضوء الشموع في مخدعه يراجع فهرس حياته صفحةً صفحة، ويستعرض في نفسه جميع أطوارها. وقد رانت عليه الكآبة، وثقُلَت وطأةُ الهمّ. ورولينا تتقلّب بين الحين والآخر مضطربة راغبةً عن النوم متخذةً أبعد مساحة من السرير. وشرع يخالسها النظر من حينٍ إلى حين؛ فينظر إليها إن غضّت عنه ويغضي عنها إن نظرت إليه؛ ولا يلتقي نظره بنظرها حتى يلتهب وجهه حمرةً ويندى جبينه عرقاً كأنما اقترف إثماً لا مثيل له في فظاعته متأثراً بلوعة الفقد.

وشرع يتساءل ضارعاً مناجياً ربّه وعيناه مخضلّتان بالدمع: «لِمَ يا إلهي خلقتني في معامعَ هذه الأديان ومذاهبها واختلافاتها؟ ألمْ يكن حريّاً بك أن تهدينا إلى دينٍ واحد وأنت القادر على كل شيء؟! لا حول ولا قوة إلّا بالله.. أستغفر الله العليَّ العظيم.. أستغفر الله العليَّ العظيم.. أرجوك يا ربّي سامحْني!.».

 ولم يزل في اضطرابه وحيرته حتى رأى جذوة الفجر تدبّ في فحمة الظلام. فأغفى هنيهةً ليستيقظَ بعدها على جلبة رولينا وهي تضبُّ أغراضَ حقيبتها إيذاناً بالرحيل.

ضياء اسكندر – القامشلي – آب 2022