حكايات ومعجزات الست صفية أقصد السيدة صفية، عفوًا السماح ياأهل السماح؟ أقصد سيدتنا صفية.. ملعون هذا الشيطان الساكن في رأسي فهو كثير ماينسيني أن أذكر اسماء مشايخنا أهل الأضرحة المباركين؛ غير مسبوقة بوصف سيدنا أو سيدتنا .
لاأنكر أنها كانت عقدة عقدها الملعون أبليس في نافوخي، إذ كان يهمس في إذني ساخرًا : أيها المسكين أنت العبد الوحيد وكلهم أسيادك !
عندما تراودني الدهشة يوسوس بخبثه الممتع موضحًا مقصده : تذكر شيخ الكُتاب بوصف سيدنا . شيخ المسجد سيدنا ، الواعظ الديني سيدنا، صاحب الضريح سيدنا، الصحابي والتابعي وتابعه سيدنا، أى نبي سيدنا .. عندما تخاطب صاحب السلطان، أية سلطان تقول : سيدي.. ماأكثر أسيادك ! أليس في ذلك إقرار بأنك العبد المقهور ومن هم على شاكلتك في عالم كله أسياد؛ الأموات منهم والأحياء، إلا أنت ؟!
الحق يقال كانت نفسي تجد لذة لهذه الوساوس، وتهمس لي بدورها : وما يمنع أن تكون سيدًا مثل هؤلاء، أليست الإرادة الإلهية التي خلقتهم هي ذاتها التي خلقتك ؟!
معذرة سيداتي سادتي، فقد جرجرني الملعون حتى أنساني ماكنت أود قوله ! نعم ، نعم تذكرت.. عندما قبضت عليّ الشرطة وبعض من رفاقي فأفسدوا جلسة البهجة التي خططنا لها، وصادروا المخدرات التي جهزناها لتلك اللحظات التي كنا نرجو نشوة سعادتها، أوصت النيابة بحبسنا بعد إدانتنا لمباشرة القضية والحكم فيها. ولأن مكان الضبط كان قلب قاهرة المعز، أودعونا سجن الإستئناف الكائن بباب الخلق .
وهو اسم أحد أبواب القاهرة التي اندثرت، سماه الناس حينها باب الخرق لأن الهواء كان يخترقه بشدة لندرة البنايات حوله ــ هكذا يقولون ــ حتى استقبحه الخديو إسماعيل وهو ينشيء متحف الفن الإسلامي والكتبخانة بالمكان فغيره.
عندما دخلنا من بوابة السجن العتيقة جدًا هالني مشهد لايمكن نسيانه، ضريح وزوار وأكف ضارعة تتوسل وعيون مرهقة تدمع !
نظرت مستفسرًا من رجل الشرطة الموكل بتسليمنا فأشار أن ألتزم الصمت، وهمس: ستعرف كل شيء فيما بعد فأيامك هناك قد تطول ؟
فيما بعد وقفت مع الضارعين المتوسلين في وقت السماح للسجناء بالخروج أمام الزنازين؛ يسمونه التريض . قالوا: أنه ضريح سيدتنا صفية شفيعة المساجين، تهون علينا قسوة الحبس وأيامه الطويلة، فكم نحن محظوظون بها، فسجننا هذا هو الوحيد الذي تعمره تلك البركة التي تبهج نفوسنا .
الشموع تجعل لضبابية المكان المغلق سحرًا أسطوريًا، صندوق للنذور يضع فيه السجناء مايستطيعونه، مفردات تذكرت بخارج السجن .
همس لي شيطاني : ترى من يفتح هذا الصندوق؟ وزارة الأوقاف أم مصلحة السجون ؟ رأيت قصائد من الشعر؛ نظمها بعض السجناء في مديح سيدتنا صفية ومعجزاتها، معلقة على جدران المسجد الصغير الذي يضم الضريح. قال أحد المتعالمين بأسرار المكان ـــ كل مكان ستجد فيه متعالمين بأسراره ــ سيدتنا هي صفية بنت اسماعيل بن محمـد بن إبراهيم بن الحسن بن على بن أبي طالب .
من كراماتها الكثيرة أن الباشا ناظر المعارف ـــ ذكر اسمًا لا أتذكره الآن ـــ أراد هدم الضريح ليقيم قصره بالمكان لكنها حذرته في منامه فبنى القصر وداخله الضريح، لكن بعد طرد الإنجليز تحول القصر إلى سجن . وقال حكايات وحكايات عن براءة محكوم بالإعدام كان يتوسل بها، وعن مثقف شيوعي استخف بها فغضبت عليه وتم تأييد الحكم فندم أشد الندم . لكنه يستحق فقد جلبه لنفسه .
لم يعلق في ذهني من كثير الحكايات التى رواها “الدرويش” السجين إلا بناء القصر وبداخله الضريح، فغرف السجن كلها زنازين ضيقة جدًا، والممرات سراديب كئيبة، لايوجد مدخل صغير تنفذ منه الشمس للمكان مايجعل الرطوبة تلازمه صيفًا وشتاءً، أى قصر هذا ؟! إلا إذا كان صاحبه مريضًا من هواة تعذيب وإهانة نفسه، مايسمونه في الطب ” مازوخية ” ؟! ربما صدق من قال لي: أنه كان اسطبلًا لخيول المحتل الإنجليزي ثم أصبح سجنًا بعد رحيله .