نوسوسيال

بقلم هنري أ. كيسنجر : هكذا تنتهي حرب أوكرانيا… وإلا مواجهة شاملة قريباً جداً

96

تدور الأحاديث في أوكرانيا كلها حول المواجهة. ولكن هل نعرف إلى أين نحن ماضون؟ شهدت خلال حياتي أربعة حروب بدأت بحماسة وتأييد شعبي كبيرين، لم نكن نعرف كيف ستنتهي، وانسحبنا منها من جانب واحد. لكن الاختبار الحقيقي للسياسة هو كيف تُنهي الحرب وليس كيف تبدأها.

تُطرح القضية الأوكرانية في كثير من الأحيان على أنها مواجهة: هل ستنضم أوكرانيا إلى الشرق أم إلى الغرب. ولكن إذا كان لأوكرانيا أن تعيش وتزدهر، فلا يجب أن تكون مخفراً أمامياً لأي من الجانبين ضد الآخر – بل يجب أن تكون جسراً بينهما.

يجب أن تقبل روسيا أن محاولة إجبار أوكرانيا على الدوران في فلكها، وبالتالي نقل حدود روسيا مرة أخرى، من شأنه أن يحكم عليها بتكرار تاريخها من دوامة الضغوط الانتقامية المتبادلة مع أوروبا والولايات المتحدة.

ويجب على الغرب أن يفهم أنه لا يمكن لأوكرانيا أن تكون مجرد دولة أجنبية بالنسبة الى روسيا. فقد بدأ التاريخ الروسي في ما كان يسمى (“كييف روس” أو “روس الكييفية”)، ومن هناك انتشرت الديانة الروسية. وكانت أوكرانيا جزءاً من روسيا لقرون عدة، وكان تاريخهما متشابكاً حتى قبل ذلك. وقد تم خوض بعض أهم المعارك من أجل الحرية الروسية، ابتداءً من معركة بولتافا عام 1709، على الأراضي الأوكرانية. وأسطول البحر الأسود – وسيلة روسيا لإبراز قوتها في البحر الأبيض المتوسط – يستند إلى عقد إيجار طويل الأجل لميناء سيفاستوبول، في شبه جزيرة القرم. وحتى المنشقون المشهورون عن روسيا مثل ألكسندر سولجينتسين وجوزيف برودسكي أصروا على أن أوكرانيا كانت جزءاً لا يتجزأ من التاريخ الروسي، بل في الواقع، جزءاً من روسيا نفسها.

كذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي أن يدرك أن تسويفه البيروقراطي وإخضاعه العنصر الاستراتيجي للسياسة المحلية في تفاوضه بشأن علاقة أوكرانيا بأوروبا، ساهم في تحويل المفاوضات إلى أزمة. فالسياسة الخارجية هي فن تحديد الأولويات.

إن الأوكرانيين هم العنصر الحاسم. فهم يعيشون في بلد له تاريخ معقد وتكوين متعدد اللغات. تم دمج الجزء الغربي من البلاد مع الاتحاد السوفياتي عام 1939، عندما تقاسم ستالين وهتلر الغنائم. وأصبح شبه جزيرة القرم -60 في المئة من سكانها روس- جزءاً من أوكرانيا في عام 1954، عندما منحها اياها نيكيتا خروتشوف، الأوكراني المولد، كجزء من الاحتفال بمرور 300 عام على اتفاقية روسية مع القوزاق. وغرب البلاد كاثوليكي إلى حد كبير. وفي شرقها روس   أرثوذكس. الغرب يتكلم الأوكرانية، بينما يتحدث الشرق الروسية في الغالب. أي محاولة من جانب أحد أجزاء أوكرانيا للهيمنة على الآخر – كما كان النمط المعتاد – ستؤدي في النهاية إلى حرب أهلية أو تفكك. إن التعامل مع أوكرانيا كجزء من المواجهة بين الشرق والغرب من شأنه أن يفسد لعقود أي احتمال للتقريب بين روسيا والغرب – وبخاصة روسيا وأوروبا – وإقامة نظام دولي تعاوني.

أوكرانيا مستقلة منذ 23 عاماً فقط؛ إذ كانت في السابق تحت نوع من الحكم الأجنبي منذ القرن الرابع عشر. وليس من المستغرب أن قادتها لم يتعلموا فن التسوية، ولا حتى من المنظور التاريخي. تُظهر سياسات أوكرانيا ما بعد الاستقلال بوضوح أن جذر المشكلة يكمن في جهود السياسيين الأوكرانيين لفرض إرادتهم على أجزاء متمردة من البلاد، أولاً من قبل فصيل واحد، ثم من قبل الآخر. هذا هو جوهر الصراع بين فيكتور يانوكوفيتش ومنافسته السياسية الرئيسية يوليا تيموشينكو. هما يمثلان جناحي أوكرانيا ولم يكونا على استعداد لتقاسم السلطة. إن سياسة أميركية حكيمة تجاه أوكرانيا تقتضي إيجاد طريقة يتعاون بها شطرا البلاد مع بعضهما بعضاً، إذ يجب أن نسعى للمصالحة وليس سيطرة فصيل معين.

لم تتصرف روسيا والغرب، والفصائل المختلفة في أوكرانيا بدرجة أقل، وفقاً لهذا المبدأ. إذ جعل كل منهم الوضع أسوأ. لن تكون روسيا قادرة على فرض حل عسكري من دون عزل نفسها في وقت تعاني نقاط حدود عديدة تابعة لها من عدم الاستقرار. بالنسبة الى الغرب، فإن شيطنة فلاديمير بوتين ليست سياسة، بل مجرد حجة لغياب السياسة.

يجب أن يدرك بوتين أنه، بغض النظر عن أوجاعه، فإن سياسة الإملاءات العسكرية ستؤدي إلى حرب باردة جديدة. ومن جانبها، تحتاج الولايات المتحدة إلى تجنب معاملة روسيا على أنها شاذة ليصار بالتالي إلى تعليمها قواعد السلوك التي وضعتها واشنطن. بوتين رجل استراتيجي خطير – بالنظر إلى التاريخ الروسي. كما أن فهم قيم الولايات المتحدة وسيكولوجيتها ليس من صفاته. تماماً كما لم يكن فهم تاريخ الروس وسيكولوجيتهم نقطة قوة لدى صانعي السياسة في الولايات المتحدة.

يجب على القادة من جميع الأطراف إعادة فحص النتائج، وليس التنافس في المواقف. إليكم مفهومي عن نتيجة توافقية من القيم والمصالح الأمنية لجميع الأطراف:

1- يجب أن يكون لأوكرانيا الحق في حرية اختيار توجهها الاقتصادي والسياسي، بما في ذلك تجاه أوروبا.

2- لا ينبغي أن تنضم أوكرانيا إلى “الناتو”، وهو الموقف الذي اتخذته قبل سبع سنوات عندما طرحت القضية لآخر مرة.

3- يجب أن تكون لأوكرانيا الحرية في إنشاء أي حكومة تتوافق مع الإرادة المعلنة لشعبها. سيختار القادة الأوكرانيون الحكيمون سياسة المصالحة بين مختلف أجزاء بلدهم. وعلى الصعيد الدولي، يجب عليهم اتباع وضع مماثل لوضع فنلندا. ليس لدى تلك الأمة أدنى شك في استقلالها الكامل وتتعاون مع الغرب في معظم المجالات، لكنها تتجنب بحرص العداء الكامل تجاه روسيا.

4- يتعارض ضم روسيا لشبه جزيرة القرم مع قواعد النظام العالمي الحالي. لكن ينبغي أن تتساهل روسيا قليلاً في علاقة شبه جزيرة القرم بأوكرانيا. ولهذه الغاية، على روسيا الاعتراف بسيادة أوكرانيا على شبه جزيرة القرم. ويتعين على أوكرانيا تعزيز الحكم الذاتي لشبه جزيرة القرم في الانتخابات التي تجري بحضور مراقبين دوليين. ستشمل العملية إزالة أي غموض حول وضع أسطول البحر الأسود في سيفاستوبول.

هذه مبادئ وليست وصفات. يعرف الأشخاص المطلعون على المنطقة أنها لن تكون مقبولة لدى جميع الأطراف. والاختبار الحقيقي هو ليس الرضا المطلق بل عدم الرضا المتوازن. وإذا لم يتم التوصل إلى حل قائم على هذه العناصر أو عناصر مماثلة، فسوف يتسارع الانجراف نحو المواجهة. وستكون قريبة جداً.