نوسوسيال

بقلم أحمد صبري :  الأمن القومي العربي ومخاطر المشروع الطائفي

66

 

 

 

لا يختلف اثنان على أن رياح التغيير التي هبَّت على منطقتنا منذ “الربيع العربي” حوَّلت الإقليم العربي ومعاقله التاريخية إلى مجرد ساحات للصراع لا تقوى على صدها وتأثيراتها على موجبات الأمن القومي العربي وشرور المشروع الطائفي وحال التراجع والتشظي الذي تعيشه الأمَّة، وأبرز معاقلها التأريخية تجعلنا نرصد اتجاهات الريح ومستقرها بعد أن انهارت مصداته، وأصبحت المنطقة مكشوفة ومستباحة أمام عوامل التدخل المباشر الذي حوَّل الإقليم العربي إلى مجرد ساحة للصراع واختبار النيات والمشاريع من دون أي موقف عربي حقيقي لوقف حالة الانفتاح الإقليمي والدولي على دول المنطقة العربية.
هذا الحال ـ وبفعل التدخلات الخارجية بالشأن العربي ـ أدَّى إلى تصدع الموقف العربي وتراجعه أمام الهجمة التي استهدفت حاضر ومستقبل الأمَّة ومشروعها النهضوي، وفرض هذا التدخل واقعا جديدا في ميزان القوى بالمنطقة العربية الذي تنتابه تجاذبات دولية وإقليمية أدَّت بمجملها إلى الخلل في معادلة الصراع وتوظيفه لغير صالح الأمن القومي، حيث اهتزت أركانه جراء التدخلات الخارجية، وتراجع فرص الحفاظ على ديمومته كصمام أمان لمواجهة الهجمة التي تجتاح المنطقة عموما.
ومديات تأثير القوى الإقليمية والدولية التي تحيط بالإقليم العربي الذي يشهد تحوُّلات كبيرة وتأثيرها الإقليمي والدولي أصبحت واضحة في الأحداث وخواتيمها في مسار العمل العربي واتجاهاته بفعل حالة التداعي والإحباط، الذي تعيشه الأمَّة بعد أن فقدت عوامل قوَّتها وموقفها الموحَّد لمواجهة التحدِّيات.
هذا التراجع أدَّى إلى بروز لاعبين إقليميين أخذوا دور الإنابة عن مصالح ومواقف دول الإقليم حوَّلت دوله إلى مجرد تابع أو منكفئ لا يعي ما يجري داخل ساحاته. وإزاء هذا الإمعان بالتدخل بشؤون دول الإقليم العربي حوَّله إلى ساحة للصراع على القرار السياسي والمصالح والنفوذ، كان الخاسر فيه شعوب المنطقة وتطلعاتها بحياة بعيدة عن سياسة الاستقطاب ومخاطرها على أمنها القومي.
إن ما جرى في العراق وأيضا في تونس وليبيا واليمن وسوريا ولبنان يتطلب موقفا موحدا للتصدِّي لهذه التحدِّيات التي أدَّت وستؤدي إلى قلب ميزان القوى، واستخدام خلله لإبقاء دول المنطقة تحت السيطرة والنفوذ الأجنبي. وتستوجب دواعي المسؤولية القومية ومصالح الأمَّة العليا إعادة التوازن إلى ميزان الصراع بالمنطقة بتشكيل نواة الإقليم العربي كقوة فاعلة لوقف تداعيات الاندفاع الأجنبي ومخاطره على الأمن القومي العربي.
إن التمسك بثوابت العمل العربي ووحدة المصير والهدف، ومقاومة تصدير الأزمات إلى دول الإقليم العربي، هو من يفشل المشروع الاستعماري الذي يهدف إلى إبقاء المنطقة مضطربة وغير مستقرة حتى تسهل السيطرة عليها.
من هنا فإن اشتراطات تصحيح ميزان القوى في الإقليم العربي ينبغي أن تستند إلى نبذ الطائفية ودرء شرورها على وحدة المصير بين مكوِّنات الأمَّة؛ لتجسيد التلاحم الأبدي بين شعوب الإقليم العربي؛ لأن عبور الحاجز الطائفي وتقليل تأثيراته على الهُوية القومية والوطنية لدوله، هو الضمانة الحقيقية لإفشال مخططات تصدير المشروع الطائفي.
وعلى الرغم مما يشهده الإقليم العربي والمنطقة عموما من تشظٍّ وأزمات وصراعات، فإن تشكيل نواة لمشروع قومي عربي معتدل يستند إلى ثوابت العمل العربي ومصالح الأمَّة العليا هو الضمان لوأد المشروع الطائفي لتجنيب الأمَّة مخاطر الانزلاق بمتاهاته، ويعطي أملا جديدا للساعين لاستنهاض الأمَّة من جديد لمواجهة الأخطار المحدقة بوحدتها ومستقبلها.

 

أحمد صبري: كاتب عراقي