نوسوسيال

قصة قصيرة : بقلم محمد هلال : (( واجب العزاء …))

97

 

 

 

 

 

 

رغم أنني لا أحب واجب العزاء، ولاتتبع الجنازات فهو فأل سيء خصوصًا و قد جاوزت السبعين من العمر ولم أشبع من الدنيا بعد .

دع عنك أقوال المغفلين ممن يتمنون الموت لضيق الدنيا عليهم، فالحقيقة هم عبء على الحياة لأنهم فقدوا مفتاح السعادة، أو التلذذ بأن تكون حيًا ؛ حتى لو نمت في العراء وأكلت الخبز الجاف الحاف .

مادمت تمشي على قدميك ولاتشكو الأمراض الخبيثة فأنت في نعيم ،أما إذا توفر لك الطعام الجيد وعافية النوم على سرير تعلوه أنثي تستملحها عيناك.. ليس من الضروري أن تكون جميلة في نظر الناس، فلست ترى بعيونهم وإنما بعينيك أنت؛ المهم أن تكون خفيفة الروح، شقية الحركات تتقصع وتتأود مثل شجرة ورد بلدي، يحركها هواء عليل .

خلاصة ماأنصحكم به لاتحبوا الحزن ، اضحكوا قهقهوا؛ فإن ثلثي العافية في الضحك والرضا، لاتصدقوا نصائح رجال الدين في مديح الحزن، بأنه يكسر جبروت الشهوات ويورث التواضع ويغسل الروح .. فأنا أكره كلمة الغُسل المقيتة هذه. . وهم أكثر خلق الله حبًا للنساء وإنجابًا للعيال وعشقًا لأطايب الطعام .

لو كان لي إرادة بعد عمر طويل مديد إن شاء اللـه لضربت من يُغسل جثتي بقدمي في صدره، فأنا أكره أن أكون مثل عجينة لينة في يد خباز .

***********

لكن ما العمل وأنا مرغم على أن  أواظب على حضور العزاءات طاعة لأوامر الواجب والعرف والتقاليد، فأنا بحكم الميلاد كبيرعائلتي ، وتلك آفة أخرى أن تكون كبير قومك .. فحضوري وحدي فيه الكفاية عن عنهم . أما لو حضر رجال العائلة كلهم دوني ، سألهم كبير أهل المتوفي عن موانع حضوري !

أفضل الجلوس في الصف الأخير من السرادق،  وسط صدارته ،  المواجة للمدخل تمامًا؛ حتى أتمكن من رؤية المعزين كلهم ،لأنشغل بهم ، ولأعرف من حضر ومن لم يحضر ممن أشتهروا بمحبتهم للراحل ..

أرى في ذلك بهجة لنفسي ، ليس البهجة بمعنى الفرح والسرور المُلعن الذي تفضحة العيون وانفراج أسارير الوجه؛  وإنما الشعور بالإنتشاء الداخلي يغمر نفسي، تزيد نشوتي وأنا أرى الرجال المهندمين حد الاستعلاء يتصافحون بصلابة وجدية وأصوات قوية لاتليق بمن حكم عليه القدر  بالهلاك المحتوم..

أراهم وقد رقدوا في نعوشهم تحملهم أعناق المشيعين إلى باب القبر.. وأراني جالسًا جلستي هذه أتفقد من حضر لواجب العزاء فيهم  ومن غاب   ..

أراني أبتسم في نفسي هازئًا ولا أدرى لماذا، وكأني أتشفى فيهم ، وأنا أتمثل الميت منهم .. حسب كلام خطباء المنابر وحُلق الدروس الدينية الذي لاأدري من أين جاءوا به :” إن الميت يسمع عويل من يبكون عليه، ومن يشقون الجيوب ويلطمون الخدود؛ وأنه يُعذب ببكاءهم ، لكنه لايستطيع اسكاتهم ليرحموه مما يجد ! “

لن أنسي أن أوصيهم بأننى بَراء ممن يفعلون ذلك.. وزيادة في الإحتراز سأوصيهم بأن يبتهجوا ويضحكوا وتطلق النساء الزغاريد. أن يتهمهم الناس بالجنون خير لي من الضرب والتعذيب وأنا وحدي لايمكنني الدفع عن نفسي .

يقولون :إن الميت يشعر بتقليبهم لجثته !  ويعرف الأطباء ممن يسرقون الأعضاء البشرية، وهم يشقون أحشاءه  لو مات بمستشفي ، لكنه يعجز عن دفع لصوص الأطباء ، وعند الله تجتمع الخصوم  .

يألم بشدة لتقطيع جثته وتشريحها ، لكنه لايقدرعلى الصراخ أو حتى يبدو علي وجهه الغضب !

يسمع همهمات الرجال الذين يحملون نعشه وهو ملفوفًا في قماش الكفن مزنوقًا ، مربوط الرأس والوسط والرجلين .. لايمكنه الفكاك من تلك الزنقة التي يبدو فيها مضغوطًا مثل “كوز اللانشون”، لكنه لايستطيع الكلام.

***************

بينما صور تلك الأفكار تجول برأسه ،رأى نفسه فيهم ..  انتفض في جلسته بصدارة مؤخرة صفوف العزاء ، صرخ بقوة كمن لدغته حية، انتزعت صرخته رؤوس المعزين نحوه ، وهو يردد : “وقانا اللـه شر قسوة الموت” ـــ   قالها ثلاث مرات ـــ وعلى غير عادته دمعت عيناه .

رفع المعزون أكفهم نحو السماء ، تمتموا: آمين يارب العالمين ..