نوسوسيال

العراق بين النظام المهيمن و الديمقراطية المجتمعية في المشهد الإقليمي

57

 

 

 

عندما أراد نظام الهيمنة العالمي التفكير والبدء بتشكيل منظومة إقليمية متكاملة لشرق الأوسط وغرب آسيا، وحماية مصالحها وطرق سيطرتها ، بدأت بريطانيا وعبر جيشها و أدواتها المختلفة وخاصة بقيادة أجهزة استخباراتها المتعددة والمتخصصة بمنطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا وشعوبهم وثقافتهم بتشكيل المملكة أو الدولة العراقية وفق اتفاقية 1921 التاريخية والتي عقدتها “مكتب الاستخبارات البريطانية في القاهرة ” وعلى النيل بفندق سميراميس حينها بوجود 41 مندوب لها من المنطقة ومن مختلف الاختصاصات و من مراكزها الأساسية وبوجود وزير المستعمرات البريطانية ونستون تشرشل، والتي كانت لها اليد الطولى في ترسيم وتحديد ملامح و إدارة المنطقة والشرق الأوسط خاصة حينها كقوة مركزية للنظام العالمي المهيمن أثناء و بعد الحرب العالمية الأولى.
ومع ضم بريطانيا ولاية الموصل التي تشمل حاليا كل شمالي العراق بما فيها إقليم كردستان إلى ولايتي بغداد والبصرة تلك التقسيمات الإدارية العثمانية السابقة وما قبلها منذ الخلافة العباسية، تم رسم حدود وتحديد ملامح المملكة أو الدولة العراقية التي ستكون نقطة ارتكاز وطريقة وأسلوب ومنهج سياسي وبل نموذج وبداية لتقسيم مجتمعات وشعوب وبلدان المنطقة وتشكيل دويلات قومية وممالك عديدة وبالتالي بلورة مشهد إقليمي ونظام متواطئ في كامل المنطقة والشرق الأوسط لصالح الهيمنة البريطانية ومصالحها واستمرار نفوذها ولو بأشكال مختلفة حسب أهمية كل دويلة ومملكة.
وهنا في هذه البداية كانت تركيا الدولة القومية التي يراد تشكيلها لصالح الهيمنة العالمية وضروراتها أيضاً و التي خرجت من رحم البيروقراطية والإمبراطورية العثمانية المريضة وتداخلت عندها مع المملكة العراقية الحديثة كخريطة وحدود ونسيج اجتماعي ومصالح لسلطات دولتين يجب أن تكون في المشهد الجديد المطلوب، فكانت الاستخبارات البريطانية وقادتها ومستشاروها أمثال بيل وغيرها يرون أنه لابد أن تكون جبال كردستان في شمالي العراق(إقليم كردستان الحالي) ضمن الدولة أو المملكة العراقية لتحقيق حماية طبيعية للعراق المشكل ومنابع النفط العراقية التي كانت بريطانيا ترها مكسب مهم و تعتمد عليها وتراها مصدر قوة كبيرة مع تزايد الاكتشافات فيها ودورها في الثورة الصناعية والحلقة التجارية.
ضم الإنكليز ثنائيتين كبيرتين إلى العراق كمفتاحين مهمين لها و كبؤرتي توتر مفيدة لهم و يمكن إشعالهما عند اللزوم وقت الحاجة وهما:
1- الثنائية الدينية(الشيعة-السنة) لما للعراق من مكانة تاريخية في هذه التوترات والحروب الداخلية بين المسلمين منذ بداية الصراعات بين المسلمين أنفسهم وتقسمهم فرق وشيع ومجموعات.
2- كذلك الثنائية القومية(العرب-الكرد)، لما لبلاد الرافدين أو لميزوبوتاميا العليا والسفلى من مكانة تاريخية هامة في التلاقي الأول بين أسلاف الكرد الأريين والساميين والتي ساهمت في بناء العلاقات التاريخية بين الكرد والعرب والشعوب التي كانت تعيش معهم والتي قدمت الكثير من البدايات والانجازات الهامة في التدفق الإنساني والبشري.
ولكون نظام الهيمنة كان يهدف إلى خلق عدم الاستقرار المجتمعي النسبي المتحكم به ومزيد من الصراعات الداخلية والبينية بين مجتمعات وشعوب المنطقة، فلم يكن لمشروع الدولة أو المملكة أي هدف لتحقيق التعايش السلمي أو الأخوة والعيش المشترك أو النظام الديمقراطي القادر على استيعاب هذه الثنائيات والاختلافات الأخرى التي عاشت قروناً مع بعضها ومتداخلة دون أية مشاكل ودون أن يحاول أي واحد إبادة الأخر وإنهائه على الرغم من بعض حالات الصراع على النفوذ والسلطة في بعض الأماكن.
وهكذا جمعت بريطانيا قوى المنطقة الأساسية في نموذج عراق الدولة وبالبعد العربي والبعد الإيراني والتركي وكذلك الكردي، أي جمعت الأمم الأربعة والقوى الأساسية في الشرق الأوسط وعملت على إيجاد وفرض نوع من تركيب دولتي وسلطوي على هذه البقعة والتي تم تسميتها بالمملكة وثم بالجمهورية العراقية مع تأهيل بريطانيا و توجهها ومساعدتها لبعض الضباط في المنطقة تحت اسم الحرية و الأحرار والاستقلال والتخلص من الانتداب والاستعمار ولكن أغلبهم كانوا من نتاج العقلية والسلوك والمنهج الذي أرادت بريطانيا وثم أمريكا فرضها على المنطقة والدول التي أقامتها لتهيئة الظروف المناسبة وتحقيق الاستمرارية لنواة الهيمنة في المنطقة وهي دولة إسرائيل التي كانت تأخذ الألولوية والصدارة عن البحث و التشكيل التنفيذي للمشهد الإقليمي والمهيمن الأقوى إقليماً.
وعليه أصبح العراق الذي يجمع التناقضات والثنائيات في نظام استبدادي فظ وفج كان صدام الحسين أحد نماذجه ، نظام غير قادر على استيعاب الملل والنحل والاقوام التي كانت سابقاً تعيش في المظلة الإسلامية الواسعة سوى بالتبعية للغرب ولنظام الهيمنة العالمي ومصالحه وبممارسة مزيد من الظلم وحالات الإبادة والتطهير العرقي والممارسات الأحادية والإقصاء والعمالة للخارج، الموديل والنموذج الجاهز لتطبيقه وتمديده على كامل المنطقة والذي يحمل العقلية القومية والدولتية السلطوية والذكورية ولا يحيد عنها بل أنه يرى هذه الحدود الدولتية المصطنعة والتي قسمت شعوب المنطقة لمصالح الاستعمار مقدسة وعلى الجميع بذل الروح والغالي والتضحية في سبيل الحفاظ عليها بدل العمل للحفاظ على كرامة وحرية الإنسان وبناء نظام ديمقراطي يستوعب الجميع ويعطي مساحة للحرية والتعبير الذاتي ويحقق لهم الانتماء الطوعي للوطن والدولة المفروضة و القادر على مواجهة التحديات المختلفة.
والمفارقة أن الفكر القومي والإسلاموي والليبرالي الانتهازي الذي تم ضخه للمنطقة لزوم مصالح الاستعمار وتفتيت المنطقة وإضعاف إرادتها وتكاملها ووحدتها الكلية الديمقراطية والذي ساد في المنطقة ومازال رغم فشله الكبير الظاهر ومسؤوليته الكبيرة عن الأوضاع والأزمات الحاصلة، مازال يصر على النهج الفاشل والممارسات والسلوكيات الأحادية وإنكار الأخر المختلف ويتخندق مع المستبدين والتابعين والعملاء في فرض اللون الواحد والقومية الواحدة والعلم الواحد والدين والمذهب الواحد والدولة ذات المركزية الشديدة، مع العلم أساس الفكر القومي العنصري تجاه الأخرين والذي كان السبب والأداة في تقسيم المنطقة وشعوبها ومجتمعاتها خدمة للقوى الخارجية المهيمنة ومصالحها كانت إيجاد بريطاني ويهودي مشترك ومن المفيد ذكر أن أول من أوجد الفكر القومي والدولة القومية هم بريطانيا وبالتعاون مع اليهود لرغبة بريطانيا في إنهاء الدول الكبيرة والامبراطوريات التي كانت في طريقها كالإسبانية والنمساوية والسوفيتية العثمانية وغيرها وأيضاً لرغبة اليهود في بناء وطن قومي لهم بعد تقسيم المنطقة والعالم وانهيار الدولة الكبيرة ولقد تحقق للأثنين ما أرادوا ومازال.
واليوم بعد أكثر من 100 سنة على اتفاقية القاهرة 1921 والتي كانت نفقطة البداية لتشكيل العراق وثم كامل المنطقة، لو نظرنا لوضع العراق الحالي وأزمته وتخبطه في مستنقع المشاكل نتيجة غياب الديمقراطية والتدخل الخارجي وكذلك لو أخذنا أهمية العراق وترابط خيوطه ومساراته مع خيوط و مسارات ومراكز مختلف الصراعات والتوترات في المنطقة والإقليم، وكذلك لو نظرنا لعدد الفواعل والحاضرين بزخم قوي في المشهد العراقي على المستوى الإقليمي والدولي، يمكن وبكل وضوح القول أن ما يتم طبخه وتحضيره في العراق للعراقيين والعراق أولاً سيتم تطبيقه في العراق وثم سيطبق أيضاً على كامل المنطقة كما حصل بعد اتفاقية القاهرة وتشكيل الدول العربية وتقسيم الكرد وتشكيل تركيا الحالية، إن لم تتحرك شعوب وقوى ودول المنطقة المختلفة لتحقيق التحول الديمقراطي في المنطقة ودولها وشعوبها لإيجاد المجتمع المنظم والواعي والمتنور والقادر لقراءة الماضي و الحاضر واستشراف المستقبل و تقديم البديل المجتمعي والديمقراطي والحر عن التدخلات الخارجية والصراعات والانقسامات التي يتم فرضها عبر الوكلاء والمستبدين والمتواطئين والسيطرة على مصادر القوة الاقتصادية والفكرية والفلسفية والسياسية وحرمان المنطقة وشعوبها ومجتمعاتها منها.
من الوارد أن يتسأل المواطن العراقي وكذلك الشرق أوسطي، هل يمكن أن تصبح العراق “استان” فارسي وإيراني وبغداد “مركز استان” في الهلال والبدر الشيعي الإيراني المزعوم و بل هل يمكن أن تصبح العراق ” ولاية عثمانية تركياتية” في مشروع أردوغان العثمانية الجديدة وخطوتها الأولى الميثاق الملي، أما أن العراق يمكن أن تصبح دولة في مجلس التعاون الخليجي وأحد دول الناتو العربي أو الموقعين على اتفاق إبراهيم مع إسرائيل، ولكن أمام هذه الاحتمالات والتوقعات كيف يمكن بناء العراق الحر والديمقراطي وصاحب السيادة والقرار المستقل والعمل وفق أولوية الشعب العراقي ومصالحه مع حسن الجوار والاحترام المتبادل ومصلحة تحقيق الديمقراطية في كامل المنطقة والشرق الأوسط ، لأن من يسعى للحلول الديمقراطية يكون هدفه الحل الديمقراطي والسلمي والسياسي لكافة قضايا وأزمات المنطقة.
وعليه ، هل يمكن أن يلعب العراق دور ريادي وحضاري مرة أخرى كما كانت أيام الحضارات السومرية والبابلية وانجازاتها المقدمة للبشرية والتي كانت نتيجة طبيعية لتلاقي ميزوبوتاميا العليا والسفلى وبأخذ نتائج وإبداعات واكتشافات الثورة الزراعية النيويليتية. أجل يمكن للعراق أن يكون مصدر الانعطافة والفجر وبدء المسارنحو العالمية عبر السياق الديمقراطي والحر إذا تم بنائه وترسيخه وتوطيده كحياة حرة ومحققة للاستقرار ولابد منها وكذلك بالمقابل يمكن أن تكون كما كانت حتى الآن نموذج وأداة للهيمنة العالمية وتركيب سلطوي-دولتي وذكوري تم يتم تشكيله وتجديده من قبل قوى الهيمنة العالمية والإقليمية ولمصالحها وثم مد النموذج وتطبيقه على كامل المنطقة وعلى كل الشعوب والمجتمعات والدول.
إن البناء الديمقراطي المؤسساتي و الذهنية التشاركية والسلوك والمقاربة الحرة ضمن الشخص و المجتمع العراقي المتنوع والمتعدد والغني وكذلك ضمن المنطقة بكامله، يمكن أن يكون البداية الصحيحة لخلق إرادة مجتمعية عراقية حرة وخاصة أن المدنية والحضارة المركزية وبناء الدولة كأيدولوجية وعنف وإدارة وهيمنة ونهب ممنهج تم على أرض ميزوبوتاميا السفلى أي العراق الحالي ومنها انطلقت الهيمنة المركزية وغيرت جغرافيتها والقوة المركزية فيها وفق كل مرحلة وعصر إلا أن وصلنا بريطانيا وثم لأمريكا الآن، وكما يقال أن البشرية اضاعت نفسها وذاتها الحرة في البداية في العراق مع تشكيل الدولة ونظام الهيمنة والقانون والقيود أول مرة فعليها البدء منها للتصحيح والتغيير.
القوى العالمية التي تتصارع مع إيران وتركيا للحفاظ على مولودتهم ونموذجهم العراق السلطة والدولىة القديم الجديد بعد أن اصابها الاهتراء والعفونة ونخر الفساد فيها وتحكم الضباع بسلطتها وبات لزاماً أن يكون هناك تجديد وجديد ولكن ليس مثل الذي تم بعد بنائه 1921 أو بعد 2003 وحتى الآن، حيث الفشل الصريح والوضع الحالي المزري والمتأزم شاهد على ذلك و لكن ربما أرادوا ذلك لإيصال المنطقة كذلك ومن مركز نموذجهم من العراق ومعها سوريا إلى وضع يسهل معها بناء شبكة علاقات جديدة وقوى أداتية جديدة وبوظائف وأدوار مختلفة وبالتالي لإيجاد مرة أخرى سياق متواطئ في المنطقة بكامله لخدمة نظام الهيمنة العالمية دون مجتمعات وشعوب المنطقة.
ولو نظرنا للصراع الدائر في المنطقة والعراق وكذلك للقوى الإقليمية والعالمية الموجودة في العراق مثل تركيا وإيران والسعودية والإمارات وروسيا وأمريكا وإسرائيل من وراء الستار، نجد أنهم موحدون ومتفقون وفي خط واتجاه واحد ويملكون عقلية واحدة وهي العقلية الدولتية العقيمة وكذلك المقاربة والسلوك الأحادي والنمطية والتجانس الذي يحاولون فرضه بالقوة والإكراه على كل مناطق سيطرتهم وكذلك عملهم وسلوكهم مشترك ومتماثل ورغم تناقضاتهم السلطوية والدولتية، إلا أنهم يتوافقون على منع أي سياق أو مسار مجتمعي شعبي ذاتي خارج عن تحكمهم وإرادتهم، وهنا مربط الفرس والنقطة التي يجب على قوى وشعوب ومجتمعات المنطقة الوقوف عندها، فليس هناك فرق في الحقيقة بين “العثمانية الجديدة ” و “الشيعة القومية(ولاية الفقيه)” و مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد واتفاقات إبراهيم ، فكلها تدور في فلك واحد ونفس الفضاء وتمتلك الذهنية والعقلية الدولتية القومية السلطوية التي تسعى للهيمنة والنهب وفرض ما يراه مناسباً دون أخذ إرادة الناس ومصالحهم وأولوياتهم وحاجاتهم الأساسية والملحة والتي لا تستطيع تقديم أي حل جدي وفعال لأي من قضايا وأزمات المنطقة بل أنهم يزيدون الاوضاع سوءً وتوتراً والقضايا والأزمات عمقاً وتعقيداً.
يمكن أن تكون الديمقراطية الحقيقة المباشرة والبحث ضمن المجتمع العراقي المتنوع عن الحل هو الطريق الصائب وليس عبر الرؤية التي تتبنى الدوران في الدولة وأجهزتها وآلياتها كحلقة مفرغة وتكرر نفسها وربما تبديل بعض الوجوه دون البرامج والثقافة والذهنية والسلوك وتنتج المستبد والفساد والتابع للخارج الإقليمي والدولي.
إن الحالة العراقية الغنية بثقافتها وميراثها وتنوع شعوبها وتكويناتها ومكوناتها الاجتماعية وكذلك اختلاف لغاتها وأديانها ومذاهبها يمكن أن تكون عنصر قوة وبناء مزدهر وقيم ديمقراطية جبارة وخارقة لا يمتلكها الكثير من دول المنطقة والعالم فالبيئة المتنوعة هي البيئة المناسبة للديمقراطية والتعايش والإبداع والتعاون والتكامل والإنسانية الحقة ، إن تم إيجاد وبناء رؤية ومنظومة متكاملة لإدارة التنوع والتعدد في نظام ديمقراطي وحر يستند لبناء المجتمع الديمقراطي وحرية المرأة وريادتها مع الشباب المنظم والواعي لجهود العمل و البناء لتركيب مجتمعي مشترك ديمقراطي وحر فوق القوميات والمذاهب والاختلافات الكثيرة وبما يحفظ حق كل هذه الاختلافات في إدارة وحماية نفسها ومناطقها ضمن نظام تكاملي موحد وقوي ولامركزي كالإدارة الذاتية والأمة الديمقراطية على صعيد العراق والكونفدرالية الديمقراطية لاتحاد الشعوب الديمقراطية على مستوى المنطقة كما طرحه القائد والمفكر عبدالله أوجلان، وهنا لابد أن يكون أحد المرتكزات الأساسية هو التحالف الكردي- العربي الديمقراطي الذي كان نقطة الارتكاز والاساس الجامع لكثير من مراحل التاريخ الناصعة بالبياض والنجاح، وكذلك لابد من تركيب إسلامي ديمقراطي جديد يتجاوز الثنائية التناحرية بين السنية الوهابية والإخوانية من جهة والشيعة القومية الفارسية الإيرانية من الجهة الثانية، هذا التركيب الإسلامي الديمقراطي هو بين شيعة سيدنا الحسين وسنية الناصر والسلطان صلاح الدين الأيوبي حتى يكون العراق بكرد وعربه وبشيعته وبسنييه على طريق وسياق واحد هو الديمقراطية والحياة العادلة التي لطالما أنتظرها شعوبنا ونحن نرضخ كشعوب المنطقة تحت الاستعمار وأدواتهم المحلية المتواطئة من المستبدين والقوميين الفاشيين والإسلامويين الإرهابيين العملاء والليبراليين الانتهازيين الذي لا يهمهم سوى مصالحهم الضيقة دون الالتفات إلى أوضاع عامة الناس والشعوب والمجتمعات. وكما أن العراق وبالجغرافية الحالية لها اساس وخط للحماية والاستمرارية والوجود وهو الحماية الطبيعية التي توفرها جبال كردستان في باشور كرستان(إقليم كردستان العراق- شمال العراق) أو مناطق الدفاع المشروع الحالية في إقليم كردستان العراق و التي تحاول تركيا احتلالها الآن وبالأسلحة الكيميائية والنووية التكتيكية منذ 14 نيسان ولكنها فشلت لوجود مقاومة الشعب الكردي بريادة الكريلا وحزب العمال الكردستاني، فهذه الجبال والمناطق الآن لها نفس الأهمية التي قلنا عنها منذ أول يوم لتشكيل المملكة والدولة العراقية وبل أكثر ولكي يبقى شيء اسمه العراق أو دولة العراق أو لكي ينجح أية جهود لدولة مدنية ولمجتمع ديمقراطي وحر وعراق قوي وذات سيادة وقرار مستقل لابد من الوقوف أمام المحتل التركي وردعه والوقوف مع القوى التي تحارب وتقاوم هذه الاحتلال من قوات الدفاع الشعبي(الكريلا) وحزب العمال الكردستاني فهم اليوم السد المنيع والوحيد أمام التوغل التركي واحتلاله لكامل العراق وسوريا بالإضافة إلى التدخلات الأخرى. وكما من الصحيح القول أن عراق محتل شماله من تركيا وبتعاون مع متواطئين محليين كالحزب الديمقراطي الكردستاني لا يمكنه من تحجيم التدخلات الأخرى كالإيرانية والسعودية وغيرها في الوقت الذي تتوافق التدخل التركي والإيراني لضرب الشعب العراقي وإضعاف إرادته وقراره الحر والمستقل.
وعليه، يبقى إرجاع العراق إلى مساره الصحيح ودوره القيادي في المنطقة وخلاصه من التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية من أهم التحديات أمام القوى العراقية الوطنية، رغم الأصوات العراقية الأصيلة و الكثيرة التي أكدت على إخراج المحتل التركي وغيرهم من المتدخلين والمحتلين، وليس هناك من سبيل سوى البناء الديمقراطي والعمل المشترك في الفكر والسلوك والبحث عن آليات تنشيط المجتمع العراقي وتوعيته وتنويره وتنظيمه وامتلاكه نقاط القوى وآليات التأثير والمواجهة والحماية أمام كل هذه التدخلات و الاستهدافات المستمرة للشعب العراقي وللمنطقة بكاملها وليس صحيحاً التعويل فقط على كيان الدولة وحدها بل يمكن أن يكون هناك معادلة المجتمع والدولة معاً وفق الاعتراف والاحترام المتبادل ومساحة الحرية والتنظيم والتعبير الكافية حتى يحصل التحول الديمقراطي ويتم التخلص من كل الطبقة الفاسدة والأحزاب التابعة والعميلة وكذلك للشخصيات والأفكار المصطنعة والعقليات القومية والأحادية التي تريد السيطرة على كل شيء وإعادة إنتاج الدولة المركزية النموذج الفاشل والمسبب للأزمات و التي كانت السبب في المصيبة والكوارث الحاصلة الآن بشكل رئيسي .
وعليه العراق أمام مفترق الطرق، إما استمرار في التبعية والأزمات وغياب الديمقراطية واستمرار التدخل الخارجي ووجود المحتل وقواعده كالتركي وغيرها عند الاصرار على العقلية الدولتية والقوموية والإسلاموية والانتهازية الليبرالية ، بمعنى نظام ونموذج جديد للنظام المهيمن العالمي وأحد أدوته وسبله وإصداراته لتمديده وتطبيقه على المنطقة، وإما التحول الديمقراطي في العراق وفي كافة المجالات وعلى رأسهم المجال السياسي والاقتصادي وبناء الثقافة و الذهنية التشاركية والمجتمع الديمقراطي والحر والمرأة الحرة والإسلام الديمقراطي أو المجتمعي وفق قيم وروح صحيفة المدينة الديمقراطية للرسول الكريم في مدينة يثرب، و قيم وعظمة ونبل ومعرفة وشجاعة سيدنا الحسين والناصر صلاح الدين الأيوبي كميراث لشعوبنا ومنطقتنا وثقافة مجتمعية أخلاقية عالية ، وذلك في دستور ديمقراطي يحفظ لكل الألوان والأقوام والشعوب والتكوينات الاجتماعية ضمن الدول العراقية خصوصيتها وحقه في إدارة وحماية أنفسهم ومناطقهم وعلى رأسهم الإيزيديين والمسيحيين وغيرهم، أي أن يصبح العراق نموذج للأخوة والتعاون والاحترام والديمقراطية والحرية وبالتالي العودة إلى عظمتها وحقيقتها التي كانت فيها 72 قومية ولغة تستطيع العيش ضمنها وبكل سعادة وفخر وكرامة وعزة.