نوسوسيال

القاهرة: بقلم عبدالله السنا وي/ ورطة بايدن في الشرق الأوسط

0 28

لم يخطر ببال الرئيس الأمريكي جو بايدن، وهو يستكشف خطواته الأولى في البيت الأبيض ويصوغ أولوياته في السياسة الخارجية لبلاده، أن يجد نفسه متورطاً في أزمات الشرق الأوسط، كأولوية تجبّ غيرها.

الحوادث داهمته على غير ما خطط له وأعلنه من أولويات، عندما انفجرت المواجهات في القدس حول المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، ووصلت إلى صدامات مسلحة اتسع نطاقها إلى حدود يصعب تجاهل خطورتها وتداعياتها على المصالح الأمريكية نفسها.

لم يكن الصراع العربي الإسرائيلي على رأس أولوياته، ولا من ضمن خططه لاستعادة الوزن القيادي الدولي لبلاده، الذي تدهور على نحو خطر في سنوات سلفه دونالد ترامب.

مال توجهه الاستراتيجي إلى التحلل بقدر ما هو ممكن، من صداع الشرق الأوسط وأزماته، والتوجه إلى الشرق الأقصى، حيث الصراع على المستقبل مع الصين: القوة الاقتصادية والاستراتيجية التي تتطلع إلى حيازة مقعد قيادة النظام العالمي الجديد، الذي يوشك أن يولد من تحت أنقاض جائحة «كورونا».

أعلن استكمال انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول الحادي عشر من سبتمبر/أيلول المقبل في الذكرى العشرين لحادث برجي التجارة العالميين، الذي أفضت تداعياته إلى احتلال كابول ثم بغداد وطرح مشروعات إعادة هندسة الإقليم من جديد بالتفكيك والتقسيم في ما سمي ب«الشرق الأوسط الجديد».

أراد أن يغلق صفحة كاملة من التورط الأمريكي في حروب بلا نهاية، ساعياً  في الوقت نفسه  إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني الذي انسحب منه سلفه ترامب، باسم منع إيران من حيازة السلاح النووي.

لم يكن بايدن أول من بادر بالتفكير في التحلل من صداع الشرق الأوسط، فالفكرة خامرت الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، الذي عمل بجواره نائباً للرئيس لدورتين.

في يونيو 2009 خاطب أوباما العالم الإسلامي من على منصة جامعة القاهرة، محاولاً ترميم صورة بلاده المتصدعة التي أفضت إليها سياسات وخيارات ألحقت أبلغ الضرر بحقوقه وقضاياه ووجوده الإنساني نفسه.

أراد أن يبدو مقنعاً بأن هناك صفحة جديدة في العلاقات العربية الأمريكية تُصحح الصور النمطية المتبادلة، وتتفهم معاناة العرب والمسلمين، لكن دون أن يلتزم بتكاليف سياسية جديدة، فلا أحد يقدم العطايا الاستراتيجية على طريقة بابا نويل في احتفالات أعياد الميلاد.

جاء إلى المنطقة بمدخل مختلف ولغة جديدة بحثاً عن مخارج للورطة الأمريكية، التي تسبب فيها سلفه الجمهوري جورج دبليو بوش، عند احتلال العراق عام 2003 وما ترتب عليه من خلل موازين قوة ونتائج وتداعيات أقرب إلى الهزائم الاستراتيجية.

في ذلك الخطاب الموجه إلى العالم الإسلامي وصف أوباما، العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بأنها «غير قابلة للكسر».

كانت تلك العبارة الصريحة تعبيراً عن حقائق السياسة الأمريكية، أراد بها أوباما أن يضع حدوداً استراتيجية لما يمكن أن يتبعه من سياسات في تحسين العلاقات مع العالم الإسلامي، وأن أي رهان على أي صدام محتمل بين الولايات المتحدة وإسرائيل في عهده يتماهى مع الوهم، أو هو الوهم ذاته.

تابع بايدن من واشنطن أصداء ذلك الخطاب الذي تبددت كلماته ورهاناته في عواصف الانقلابات السياسية والاستراتيجية التي عمت الإقليم.

أزمته استحكمت عند اندلاع المواجهات في غزة، والضفة الغربية، والمدن العربية والمختلطة داخل الجدار.

بايدن، يكاد لا يطيق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، كما هو شائع ومعروف، ويعتبره من موروثات خصمه اللدود ترامب، لكنه لا يستطيع تجاهله بحكم هيمنته على مراكز القرار السياسي والعسكري في دولة ينظر إليها تقليدياً كحليف استراتيجي عضوي ينبغي تحت كل الظروف دعمه ومؤازرته.

ولا كان بوسعه تجاهل ضغوط القيادات اليسارية النافذة داخل الحزب الديمقراطي، على رأسهم بيرني ساندرز (الذين لعبوا دوراً رئيسياً في صعوده إلى البيت الأبيض) التي تدعو إلى دور أمريكي حاسم لوقف إطلاق النار وما يتعرض له الفلسطينيون في غزة من انتهاكات إنسانية جسيمة تناقض دعاوى حقوق الإنسان التي استندت عليها حملة بايدن في كسب الانتخابات الرئاسية.

بحكم الهوية الدينية فبيرني ساندرز، يهودي، لكنه لا يكف عن توجيه انتقادات جوهرية للسياسات الإسرائيلية التوسعية على حساب كل ما هو عربي وفلسطيني.

تحت ضغط الورطة التي وجد نفسه على غير توقع وانتظار في قلب دواماتها، مال بايدن إلى توفير الحماية لإسرائيل في مجلس الأمن الدولي لأربع مرات متتالية باستخدام حق النقض، متصادماً مع الحلفاء الأوروبيين الذين عملوا على استصدار قرار بوقف إطلاق النار.

كانت تلك حسابات «المؤسسة الأمريكية»، التي اعتادتها منذ بدايات الصراع العربي الإسرائيلي. لم يكن بوسعه الخروج عليها ولا أن يضبط بالضغط على إسرائيل.

أجرى 80 اتصالاً هاتفياً في أيام الأزمة الأحد عشر مع بنيامين نتانياهو ومحمود عباس، وقادة آخرين يتصدرهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي تكفل بالوساطة الناجحة لوقف إطلاق النار بين الإسرائيليين وفصائل المقاومة في غزة.

ورطة بايدن الحقيقية بدأت بعد وقف إطلاق النار «دون شروط». هناك كلام دبلوماسي عن إحياء المسار السياسي (حل الدولتين)، وهو ملغم بالمستوطنات والتحرشات المتكررة بالمسجد الأقصى. وهناك كلام آخر عن مساعدات عاجلة لغزة المحاصرة، وهو على أهميته الإنسانية، يقصر عن الدخول في صلب الأزمة.

ما الحل؟.. لا إجابة عند بايدن، فقد داهمته الحوادث بما لم يكن يتوقع أو يتمنى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.