نوسوسيال

السياسة والمصالح والأخلاق

1٬324
 لطالما كانت السياسة هو المصطلح الفضفاض والمثير للاهتمام والتأويل كلٌ وفق ما يراه مناسب لأجنداته وغاياته التي رسمها للوصول لما يبتغيه. منذ القدم أُثير الكثير من اللغط حول هذا المصطلح وما زال مستمراً حتى راهننا، بكل تفسيراته التي لا تنتهي بسبب مكر الانسان وجشعه للوصول لما يريده على حساب أقرب المقربين له أو على حساب شعب. كانت السياسة قديماً من القيم التي لايمكن
فصلها عن أي مجتمع انساني، حتى أنه لا يمكن التفكير بأي مجتمع من دون سياسة. إذ، أنها كانت المحدد الذي يتم وفقه تأمين احتياجات الناس ضمن المجتمع واختيار الأفضل بشكل دائم. المقياس في السياسة كان في كيفية تأمين متطلبات المجتمع ولكن هذه الكيفية لم تكن عشوائية، بل كانت
لها مقاييسها ومبادئها التي تحدد ماهية الاحتياجات وأساليب تأمين هذه الاحتياجات، وهذا ما كان يتم تسميته بالسياسة. لكن الآن وبعد ظهور وتطور التجارة والصناعة والتي أثرت بشكل كبير على تعامل المجتمعات فيما بينها داخلياً أو مع الخارج، تطورت معه السياسة لتغدو مثيلة للتجارة لمرتبطة
على الربح الأعظمي بعيداً عن القيم والأخلاق والمبادئ وبذلك تحولت السياسة إلى نوع من النفاق في التعامل إن كان ما بين الناس أو المجتمعات وصولاً للتعامل ما بين الدول. باتت السياسة هي فن الممكن أو الحصول على أكبر قدر من الممكن، وإذا سألك أحد عن الوسيلة؛ فهذا غير مهم أبداً، لأن

الغاية تبرر الوسيلة. وبذلك تتحول السياسة لنوع من النفاق والعاقات المزيفة المعتمدة فقط على الربح والبعيدة عن القيم والأخلاق المجتمعية. وربما هنا تكمن نقطة الفصل فيما نعيشه الآن في السياسة المخادعة ما بين الدول. فكثيراً ما نرى أن هذه العلاقات ليست دائمية وغير مستقرة لأنها

 

تعتمد أساساً على الخداع والانتهازية والرياء حتى الوصول للهدف، وبعد ذلك ليحصل ما يحصل والمهم هو الوصول للهدف الربحي غير الأخلاقي. فكثيراً مننا ينتهج هذه السياسة حالياً وباتت جزءاً لا ينفصل من حياتنا حتى العادية منها. فالعاقلات ما بين الأصدقاء والأب والأم والأولاد كي تدوم لا بد

لها من سياسة معينة حتى تدوم، وإلا كانت القطيعة هي النتيجة في حال كانت الصراحة والصدق عنوانها. وحتى العلاقات الدولية التي نراها الآن تشوبها الكثير من الرياء والنفاق فيما بينهم من أجل الحصول على “الممكن”، وهذا ما يلزمه الحنكة والمراوغة والتي تم تسميتها بـ “الفن”. وبذلك تحولت

السياسة من حاجة قيمية مجتمعية أخلاقية هدفها تأمين متطلبات المجتمعات بأفضل الوسائل، تحولت إلى كلما راوغت أكثر وتصنعت الابتسامة وخدعت الآخر للحصول على ما تريد، حينها تكون سياسياً بارعاً. والأمثلة لا تحصى من حولنا إذا أردنا معرفة كيفية تسيير السياسة من دون أخلاق وقيم

مجتمعية. حتى صار الانسان يأكل لحم أخيه كما يقال، من أجل أنانيته وفردانيته وسلطته وليذهب الجميع للجحيم. وهذا ما نراه بأبشع صوره في مواقف بعض الدول والأطراف مما تعانيه الشعوب التي حاربت داعش وقدمت التضحيات الكبيرة من أجل الحفاظ على وجودها وحياتها. ورغم كل

التضحيات نرى أن العالم يتقرب وكأن شيئاً لم يحصل وكأن آلاف التضحيات قد تمت كرمىً لعيون القوى المهيمنة الساعية للربح الأعظمي على حساب الشعوب والمجتمعات. وأفضل مثال فاقع لما نسعى لتوصيفه هو أردوغان الذي لا يمكن مقارنة أحد به سوى أنه هتلر العصر. بكل تأكيد أن ما يقوم به

أردوغان لا يمكن اعتباره سياسة بأي شكل من الأشكال، لأن كل شيء له مقاييس وضوابط وقيم ووجدان، لكن ما يفعله أردوغان سواء في شمالي سوريا والعراق وليبيا واليمن وأرمينيا، لا يمكن وصفه إلا بالنفاق والدجل الذي برع فيهم أردوغان بكل معنى الكلمة. ومن أجل عدم تكرار مثل هذه

الشخصيات الكاريكاتورية ثانية مستقبلاً لا بدَّ لنا من الإصرار على وضع آلية تضبط السياسة وتضع لها حدود وقوانين. وكل من يخرج عنها ينبغي معاقبته لأنها تضر ليس فقط به بل بالمجتمع والمنطقة ككل. من هنا لا بد أن تكون المؤسسات التعليمية عليها الدور الرئيسي في ذلك من خلال وظيفتها

في تربية وتعليم المجتمعات وتعمل على تجذير وتكريس الأخلاق ضمن السياسة، حتى يمكننا بناء المجتمع الذي يتقبل فيه الانسان الآخر بكل صدق وبعيداً عن النفاق والرياء.