نوسوسيال

بقلم حسان يونس : تركمان سورية..بين الانتمائين السوري والتركي

38

 

:

ربما تكون سورية من أكثر البلاد تمزقا على صعيد الهوية وهو ما ترك اثره على صعيد الجغرافية التي تمزقت هي الأخرى ولا تزال تنتظر المزيد من التمزقات وفقا لمشاريع مختلفة، أكثرها وضوحا يطال المنطقة الجنوبية القلقة والمتأرجحة بين أن تكون كانتونا أو جزءا مما تبقى من الكيان السوري.
يمكن قياسه عمق ومسار التمزق الهوياتي في سورية لدى بعض النخب والقوى التركمانية السورية التي ولدت وعاشت في سورية لعدة أجيال وعندما وقعت الواقعة السورية غادرت هويتها وجنسيتها السورية بوضوح شديد لا يحتمل التأويل وعادت إلى الهوية (وليس فقط الأصل) التركي.
ما دفعني إلى اعتماد النخب التركمانية لقياس هذا التمزق هو قيام باكير أتاجان، مؤخرا بتهديد الصحفي السوري الكردي نواف الخليل بالقتل على قناة الحدث.
ظهر باكير اتاجان على شاشة قناة الحدث كتركي متطرف في انتماءه التركي وهدد ضيفه بالمخابرات التركية وقدرتها الفائقة على الوصول إليه في مكتبه في بوخوم في ألمانيا الا ان المفاجأة كانت أن الرجل هو سوري تركماني من مواليد جبل التركمان في ريف اللاذقية، درس “ادب عربي” في سورية وانتقل الى تركيا في الثمانينات وحصل على الجنسية التركية لاحقا، وانتسب لاحقا إلى حزب “العدالة والتنمية” في 2013م وأصبح من أشد المنافحين عنه، مثيرا استغراب من عرفوه، فقد سبق له ان اتهم الفلسطينيين ببيع أراضيهم للصهاينة، بحيث خاطبه رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان قائلا:  “باكير أتاجان، معقول نسيت جبال اللاذقية وطنك إذا صرلك 9 سنوات تركي وهيك دفاع مستميت”.
النموذج الآخر الشديد الوضوح هو الرئيس الأسبق للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة “خالد خوجة” الذي ترأس الائتلاف لدورتين عام 2015 – 2016 خلفا لهادي البحرة، حين كان الائتلاف يحصل على تمويل سنوي يصل إلى 350 الف دولار،  وفي كانون الأول عام 2019 شارك في تأسيس حزب المستقبل التركي بزعامة أحمد داود أوغلو، مغيرا اسمه إلى “البتكين هوجا أوغلو”.
خوجا حسم التساؤلات حول هويته وصرح في شباط 2020 م “انا تركي وليس سوري”، خلال لقاء تلفزيوني على شاشة “سكاي نيوز عربية”، ضمن برنامج “مُواجهة”.
من اللافت أن خوجا كان يعرِّف نفسه بأنه شامي وعربي ولم يكن يعط الانطباع أنه يتكلم التركية في البيت، خلال إقامته في دمشق في الثمانينات من القرن الماضي، بحسب بعض الشهادات التي ثارت حوله عقب تنكره لهويته السورية.
في لقاءه مع سكاي نيوز، قال “خوجة” : “أنا تركي في الأصل، وفي سوريا نحن أتراك ومن أتراك سوريا، وهجرتنا ليست قديمة، هجرتنا في عهد الجمهورية في الخمسينات، ومن عائلة ايضاً تركية، فقط الوالدة والوالد بحكم عمله كطبيب في حي المهاجرين الذي يقطنه أيضاً مهاجرين أتراك، وانا بعد فترة اعتقالي وخروجي في عهد حافظ الأسد من السجن في نهاية 1988، عدت إلى تركيا إلى عند أقاربي الأتراك، الذين لم يهاجروا أصلاً إلى سوريا”. وعندما بدأت الثورة (في سوريا) أنا دعمت الثورة كتركي، ولم اكن أستخدم أسمي حتى كخالد خوجة”.
وفي شهادات أخرى ذكر نشطاء ان خوجة كان يضع في 2011  العلم التركي صورة لحسابه على فيسبوك..
من الافتراضات الطريفة أن خوجة التركي كان مرشحا قويا ليكون رئيسا لسورية فيما لو سقط نظام الحكم في دمشق، أسوة باسلافه تاج الدين الحسيني وجميل مردم بك اللذان وصلا إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء السورية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، تحت حكم الانتداب الفرنسي، وكانا يتكلمان التركية فقط ولا تزال التساؤلات سارية حول دور ما لجميل مردم بك في سلخ لواء اسكندرون عن الوطن السوري لصالح تركيا.
قضية عودة بعض التركمان السوريين إلى اصلهم التركي ولفظ الانتماء السوري ظهرت بوضوح خلال اجتياح هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة” للشمال السوري واقتتالها مع فصائل الفيلق الثالث المؤلفة من الجبهة الشامية، وجيش الإسلام، وفيلق المجد، والفرقة 51، ولواء السلام، وفرقة الملك شاه، وهي جميعا فصائل اخوانية سورية ذات ارتباط سعودي وامريكي وتركي متعدد.
خلال هذه الاشتباكات تحالفت فصائل المجلس التركماني السوري المؤلفة من العمشات (فرقة سليمان شاه) بقيادة محمد الجاسم والحمزات بقيادة سيف بولاد والتي تحمل انتماء تركي يتجاوز الانتماء الاخواني مع جبهة النصرة، في استجابة واضحة للسياسة التركية التي ادارت اجتياح النصرة للشمال السوري، على حساب انتسابها لما يسمى بالجيش الوطني الذي تنتسب إليه أيضا فصائل الفيلق الثالث