نوسوسيال

بقلم الدكتور نسيم الخوري : ذبول القوميات فوق أرض العولمة

71

 

 

أطرح ذبول القوميات، مفترضاً أن العولمة وأفضل عليها مصطلح «الكوننة» بأدواتها ومخترعاتها المتنوعة المغرية والدائمة التواصل والتبدل، قد أشاعت نسيجاً من العلاقات الساطعة التي تخطت حدود الدول إلى العالمية، بوصفها مشاعات حوار مفتوحة.

لا أنعي الفكر القومي؛ بل أشير إلى جورجيا ميلوني زعيمة حزب «إخوة إيطاليا» كأول رئيسة حكومة منتظرة وصلت إلى حكم إيطاليا من اليمين المتطرف الرافض للعولمة والانفتاح، مقدّماً الهوية الوطنية على الأوروبية. جاءت ترنيمتها المشهورة: «أنا جورجيا، أنا امرأة، أنا أم، أنا إيطالية، أنا مسيحية» ليتناقلها الإيطاليون الذين رأوا فيها شابة مسكونة بإقفال أبواب إيطاليا أمام المهاجرين الذين تجاوزوا 5 ملايين، لكنهم غفلوا عن أنها ستفتحها للطاقة والغذاء أمام دول الشرق الأوسط وشرق المتوسط، متجاوزة العقوبات الأوروبية، ولن تُخرج بلدها من مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي و«الناتو»، ومجموعة العشرين.

يقظة التطرف عالمية ولها أسبابها، لكن تقفي القوميات وأنشطتها تُبرزها دينية اقتصادية وسياحية فوق أرض العولمة المفتوحة أمام البشرية الهاربة من الأقفاص الضيقة إلى الهويات المائعة والمطاطة، التي تجاوزت الحدود الصلبة.

اجتاحت ظاهرة الحركة الكونية البشر لتقلب المفاهيم السائدة القديمة، وترفع عمارة «الأممية الجديدة»، مع التنبيه على أن «الفكر الأممي» السياسي بمعناه القديم، حمل بذور موته تحت إبط الأنظمة والثورات التي «عبدته». لن يغير هذا في الواقع العام كله سوى «جنون نووي» سيعيدنا إلى نقطة الصفر في تجديد التفكير.

لو سلكنا لِماماً هذا الدرب، وتناولنا نُتفاً منه للمجادلة وحسب، نجد في ملف مشقة العروبة أفكاراً ومواقف متعارضة. صحيح أنها أفكار وتجارب يَعتوِرها الحنين إلى ما قبل تشكّل القوميات، لكنها ضرورية تكشف الإعاقات التوحيدية لمساحة العرب بصيغتي المفرد والجمع من ناحية، وتقديراً للصراعات السياسية المتضافرة من ناحية ثانية، وصولاً إلى المحصلات الكبرى للقومية التي انطوت بدورها على جذور دينية لم تُلن المفاصل بين العروبة والإسلام لعقود طويلة، أو أنها كانت أسيرة اجتهادات رجال الدين لتداريهم وتلطف من أُحاديتهم في فهم النصوص، عبر تدفق النظريات والأفكار المستوردة التي كانت وستبقى خلف أسوار الدين.

رأى أنطون سعادة، مثلاً في القومية العربية، جاذبية شلت العقل والإدراك والمنطق، فذكر المصابين بأمراضها وبأوهام الوحدة العربية وهذيانها، أو بخيال العروبة النقية، واصماً إياها باللاقومية والاتكالية و«اللاتعميرية»، وبأنها مركونة بالقدرات الإلهية. لربما غالى بنظرته إلى تأثير الأرض والجغرافيا في تقرير حياة الأمم ونهضتها، لكن يجدر بنا، كشحاً لعناصر الاستحالة في تطبيق النصوص، أن نطرح أسئلة نقدية منها:

هل القدرات التقنية الهائلة التي يتمتع بها إنسان اليوم باطلة في تسخير قوى الطبيعة وتحويلها بتبادلية الوعر بالخصوبة، تيمناً بالدول القوية أوالخصوبة بالوعر خوفاً سماوياً من المتغيرات؟

أَنَجرح الفكر الإنساني وقوّته إن نحن أعدنا النظر في نصوص الجغرافيا كأساس متين وثابت في القوميات وعلى ضوء الجغرافيات وتحولاتها الهائلة توخياً للمعاصرة والحداثة؟

يمكننا ذلك؛ لأن الباب يمكن تركه مفتوحاً عند التيقن بأن الأرض تقدّم الممكنات لا الضروريات ولا الحتميات وأن تأثير الطبيعة يكون كبيراً لدى الأقوام البدائية وفيها، لكنه يضعف كثيراً لدى الأقوام السائرة على دروب التغيير والتطور.

أليس أمراً واقعاً أن نرى الصحارى العربية تُزهو وتزدهر مثل أفضل البقاع الخصبة في العالم بعدما فتح قادتها الأبواب على مصراعيها، وبحكمة جلبوا نحوها الأساليب التقنية التي ساعدتهم في تحولات الجغرافيا إلى مساحات باهرة خضراء مبردة وكاملة التجهيز، تسهم في إسقاط المقارنات السياسية والفكرية القديمة المرذولة بين الشرق والغرب أو بين شمال وجنوب؟

قد يدفع التفكير الجريء إلى ما هو أعمق فلا تعود الأرض في عصر الفضاء عنصراً مادياً أو مركباً كيميائياً واحداً؛ بل تصبح هوية متعددة الألوان والتفاعلات تندمج فيها وعبرها عناصر التنوع في الوحدة، والوحدة في التنوع لتحرك البشرية التي قد تتشابه بعدما فشلت في أن تكون واحدة بالمعنى القومي والوطني والانتماء إلى الأرض برحمها العالمي الوحيد.

يمكن أن نقع على مفكرين معاصرين قللوا من شأن اللغة، لكنها بالرغم من كونها سبباً ونتيجة وأداة للتفكير والإبداع وحاملة للتراث والتغيير، فإننا نجدها في محيط الإندماجية الكونية الكبرى التي تتيحها الانكليزية مثلاً بصفتها خميرة التواصل المعاصر.

نحن نشهد للإنسان بالمطلق في عصر الكوننة بصفته سيداً في الكون ينشط في حقول الكونية التي تدفع نحو المستقبل.

الكاتب الأديمي نسيم خوري
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

  دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

وللدكتور نسيم الخوري عدد كبير جدّاً من المقالات والدراسات المنشورة في صحف النهار، السفير، اللواء، الشرق، المستقبل، الخليج الإماراتية، الثورة، وبرامج إذاعية متنوعة آخرها “كلمات لصباح جديد” في الإذاعة اللبنانية 1984-1988. عمل كمعلق سياسي في الإذاعة البلجيكية من باريس، القسم العربي1975-1979، ومعلّق سياسي في إذاعة البي بي سي البريطانية والإذاعة الإسبانية.