نوسوسيال

بقلم ليلى موسى : الإسلاموية في منظومة استراتيجيات المواجهة

35

 

جاءت انتفاضة غالبية الدول الشرق الأوسطية والأفريقية كرد فعل طبيعي تلقائي على المظالم والاضطهاد وانعدام الحياة السياسية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمواطنة والأوضاع الاقتصادية المتردية جراء سياسات الأنظمة الديكتاتورية المستبدة التي حكمت تلك البلدان عقود من الزمن بيد من الحديد.

فبالرغم من نضوج العوامل الداخلية والخارجية لنجاح تلك الانتفاضات، لكنها سرعان ما تحولت من مطالب سلمية محقة إلى كفاح مسلح، ومن السعي في تغيير أنظمة الحكم ودمقرطتها إلى الوقوع في شباك الإرهاب والتطرف والدخول في الكثير من الأحيان في صراع ومواجهة مع الإرهاب في بعض المناطق، بل وتحول البعض الأخر منها إلى مصدّرة للإرهاب والتطرف. لذا نال البعض منها تأييداً وتعاطفاً شعبياً وعالمياً في البداية، لكنها تحولت إلى إرهابفوبيا تخشاه الإنسانية والعالم بأسره بعدما ركبوا ثورات الشعوب الثائرة وعملوا على أسلمة تلك الثورات وتقودها التنظيمات الإخوانية والقاعدة وداعش وغيرها من التنظيمات الإسلاموية المتطرفة الإرهابية ذوات نفس المنبع والنهج والإيديولوجية المتفقة بالجوهر وإن كانت متضاربة فيما بينها ببعض الجزيئات والشكليات.

والنتيجة كانت تشكيل بؤر توتر وصراع وحواضن للإرهاب والتطرف، بل تصديرها كمرتزقة وجهاديين إلى الخارج وبالتالي تهديد جدي للأمن والسلم الدوليين، وإدخال البلدان في أزمات ومستنقعات مستعصية على الحل. حيث أن الإرهاب والتطرف داخل هذه البلدان تطور ونمى وتوسع بشكل أكبر وعلني بعد ثورات ربيع الشعوب بفعل مجموعة عوامل داخلية وأخرى خارجية.

العوامل الداخلية تجسدت بالدرجة الأولى من خلال سياسات الأنظمة الحاكمة واستراتيجياتها في التعامل مع تلك التنظيمات. فغالبية تلك الأنظمة الحاكمة تعاملت مع التنظيمات الإسلاموية ومعالجتها من منظور أمني وعسكري فقط كتكتيك لاستراتيجياتها طويلة الأمد والقائمة على أسس برغماتية ونفعية للاستفادة منها واستخدامها عند الحاجة فهي لم تهدف في يوم من الأيام إلى القضاء عليها. لذا لم تعالج تلك التنظيمات فكرياً وأيديولوجياً عبر طرح مشاريع فكرية بديلة، بل عملت عبر مرور الزمن وبعد القضاء على رموز وقيادات تلك التنظيمات وما يشكلون من قوة ودفعاً معنوياً لاتباعهم والافراط في استخدام القوة والترهيب عليهم والوصول بهم إلى مرحلة تمكن الأنظمة من ترويض التنظيمات الإسلاموية خدمة لأجنداتها -الأنظمة الحاكمة- ومن ثم عملت على توجيه تلك النخب المتبقية لتلك التنظيمات المناهضة لها ودعمها وتقديم تسهيلات لها في محاربة الدول والقوى المناهضة لها بذرائع الجهاد ومناصرة الشعوب المظلومة. فهذه الاستراتيجية المتبعة في محاربة التنظيمات الإسلامية كانت تهدف إلى الحفاظ عليها وديمومتها ونجحت في ذلك طالما لم تمس جانبها الايديولوجي.

من جانب آخر وجد اتباع تلك التنظيمات في هذه الاستراتيجية وتكتيكاتها فرصة مناسبة لالتقاط أنفاسهم واستغلالها في لملمة شتاتهم بعدما تعرضوا لضربات موجعة من قبل الأنظمة الحاكمة والنيل من قياداتها ونخبها الأيديولوجية، وذلك بالعمل على توسيع قاعدتها ونشر ايديولوجيتها مستغلة فقر شرائح واسعة من الشعب وتدني المستوى المعرفي وارتفاع انتشار نسبة الأمية والجهل بين مختلف فئات الشعب وكسب التعاطف المجتمعي جرّاء إظهار وترويج مظلوميتها حول ما تعرضت له من قبل الأنظمة الحاكمة بالقوة المفرطة.

فاستراتيجية الدول في التعامل مع التنظيمات الإسلاموية حققت براغماتية ومنفعة مزدوجة لأنظمة الحكم والتنظيمات الإسلاموية في آن واحد، فمن طرف الدول استفادة منها بشكل مضاعف. فمن جانب غيرت بوصلة التنظيمات الإسلاموية بتوجيهها نحو القوى المعادية لها وضرب القوى المعادية ببعضها البعض وبالتالي اضعاف وانهاك الطرفين والمزيد من ارتهان تلك التنظيمات لصالحها. وبنفس الوقت تركت –الأنظمة الحاكمة- مساحة من الحرية لتنقل التنظيمات الإسلاموية كان بمثابة استرداد عافيتها ولملمة شتاتها وتمكين جبهتها الداخلية.

وما أن اندلعت انتفاضة الشعوب سرعان ما لجأت إلى استراتيجياتها المتبعة مع التنظيمات الإسلاموية وإطلاق يدها لركوب الثورات وتحريفها من محتواها وتحويل بوصلة المواجهة من المطالب الشعبية بتغيير أنظمة الحكم إلى أزمات ومواجهة الإرهاب والتطرف. وبالفعل استطاعت تلك التنظيمات من استغلال الأوضاع المادية الهشة لمجتمعاتها بالإضافة إلى استغلال مشاعرها وفرض وجودها في الكثير من الأحيان بالقوة على الشعب، حيث تلاقى الجانب البراغماتي لأنظمة الحكم والتنظيمات الإسلاموية مرة أخرى في آنٍ واحدة.

فالأنظمة تمكنت عبر ذلك من إطالة عمرها والبقاء في سدة الحكم لأطول فترة ممكنة بذريعة مواجهة الإرهاب والتطرف، وفرصة لتصفية معارضيها والصاق تهم الإرهاب بالجميع دون استثناء وتفريغ الثورات من جوهرها وجعلها تعيش أزمات ومشاكل مستعصية، والعودة بالشعب إلى المربع الأول بعد تدمير شبه كلي ألُحِقَ ببلدانهم على كافة الأصعدة. وبنفس الوقت كانت انتفاضات الشعوب فرصة ذهبية للتنظيمات الإسلاموية لتحقيق أحلامهم الذي طال انتظاره بإقامة دولة الخلاقة المنشودة.

أما العوامل الخارجية والتي فاقت اسهاماتها العوامل الداخلية عبر دعم وتغذية التنظيمات الإسلامية من كافة الجوانب من قبل القوى والجهات والدول الإقليمية والدولية وجعلها مطية لتمرير مشاريعها الاحتلالية التوسعية والاقتصادية في بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا. والاستفادة من تلك التنظيمات كأدوات لتحقيق استراتيجياتهم وطموحاتهم التاريخية في المنطقة عبر اطلاق يد تلك التنظيمات بارتكاب أفظع الجرائم بحق الشعب واحتلال أجزاء واسعة من الجغرافية بفترات زمنية قياسية وتدمير تلك البلدان عن بكرة أبيها وفتح حدودهم أمام الجهاديين من جميع أصقاع العالم والسماح لهم بالعبور إلى البلدان التي شهدت إقامة ما تسمى بدولة الخلافة في سوريا على سبيل المثال دون أي قيد أو شرط.

فالدولة التركية التي طالما حلمت باستعادة أمجاد خلافتها العثمانية وإعادة مشروعها الاحتلالي للمناطق التي خسرتها إبان الحرب العالمية الأولى عبر استغلال ثورات الربيع الشعوب والتي شهدتها عدد من الدول الشرق الأوسط وأفريقيا.

دولة حزب العدالة والتنمية ومنذ بداية الأزمة السورية وفقاً للتقارير الدولية والحقوقية والإنسانية أثبتت العلاقة العضوية بينها وبين التنظيمات الإسلاموية المتطرفة والتي تمكنت عبرهم بالتدخل في الأزمة السورية واحتلال أجزاء من الجغرافيا السورية تحت غطاء حماية الشعب السوري ودعمه ومحاربة النظام والإرهاب، ولكنها في الحقيقة منذ بداية الأزمة وحتى الآن على العكس تماماً، تاجرت بقضية الشعب السوري وقدمت ومازالت تقدم جميع صنوف الدعم للتنظيمات الإسلاموية والأكثر من ذلك تعمل بشكل حثيث على الحفاظ على تلك التنظيمات والإبقاء عليها قوية وباقية، لأنها أي تركيا ستبقى باقية ببقاء واستمرارية تلك التنظيمات. وما تقوم به من ممارسات وانتهاكات تزيد من حجم التناقضات داخل المجتمع السوري وتضعفه وتجعله أكثر هشاشة وبالتالي تزيد من فرصة التوغل التركي وتحكمه بالوضع وفرض أجنداته وتحقيق مشاريعه.

والدليل هو أنه كلما اقترب فترة انتهاء القضاء على الإرهاب في سوريا ميدانياً وعسكرياً نجد تركيا تشن حملات وقصف على العديد من المناطق تحت حجج وذرائع واهية مستغلة الوقت لاستكمال مشاريعها الاحتلالية التوسعية والمضي قدماً في ممارسات عمليات التغيير الديمغرافي والتطهير العرقي بحق سكانها الأصلاء وتتريك المنطقة تمهيداً لضمها إلى حدودها السياسية.

بالعودة إلى استراتيجيات مواجهة الإرهاب والتطرف للأطراف الداعمة للتنظيمات الارهابية، ففي حقيقة الأمر هي استراتيجيات مواجهة اندثار ونفي التنظيمات الإسلاموية والحفاظ على استمراريتها وديمومتها وليس من أجل القضاء والتخلص منها. والتاريخ يكرر نفسه وما يشهده مخيم الهول وبشهادة الجميع بأنه أخطر مخيم وهو قنبلة موقوتة يهدد السلم والأمن الدوليين، نجد تخاذلاً دولياً من ناحية عدم تبني الدول لمواطنيها القاطنين في المخيم، ومن ناحية أخرى الامتناع عن إعادة تأهيل نساء وأطفال المخيم تمهيداً لإعادة دمجهم في المجتمع. والجميع يعلم علم اليقين بأن الإبقاء على المخيم على ما هو عليه كنواة دويلة الخلافة المنشودة وكيف أن الأمهات يربين أطفالهن على نهج وايديولوجية تنظيم داعش الإرهابي.

لذا وحتى تكون هناك مواجهة حقيقية للقضاء على بؤر الإرهاب والتطرف واستعادة المجتمعات عافيتها وممارسة الحياة بالشكل الطبيعي، يتطلب مواجهة عسكرية كتكتيك ومشروع فكري كاستراتيجية.

طالما إلى يومنا هذا يتم التعامل مع التنظيمات الإسلاموية من منطلق تكتيكي بدلاً من التقرب الاستراتيجي، فنحن بحاجة إلى معالجة هذه العلاقة الديالكتيكية بين التكتيك والاستراتيجية والتمييز بين الوسيلة والغاية والتغيير في أدوار كل من الديالكتيك كوسيلة والاستراتيجية كغاية، حينها نستطيع القول بأننا خطونا أولى الخطوات نحو السلم والوصول إلى الهدف. طبعاً هذا يتطلب العمل من الداخل المجتمعات والذين يمتلكون مشروعاً وطنياً وليس مصالح شخصية ضيقة.