نوسوسيال

ليلى موسي تكتب: طالبان.. والأيديولوجية المناهضة للديناميكية والتغيير

0 28

بموجب الاتفاق الذي جرى بين الأمريكان وطالبان، والذي نص – بحسب ما هو متداول-  على الانسحاب الكلي للأمريكان؛ وتسليم أفغانستان للحركة مقابل تعهد الأخير بعدم التعرض للمصالح الأمريكية، وعدم السماح بتحويل أراضيها إلى منبع لتصدير الإرهاب؛ أو استخدامها من قبل الجماعات الإرهابية المتطرفة، بحيث تشكل تهديداً للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، انطلاقاً من الخصائص التي تتمتع بها الحركة من حيث انحسارها داخل الإقليم، وتغيير سلوكياتها وأبداء المرونة بشكل خاص حيال المرأة بممارسة حقوقها؛ والمشاركة في الحكومة الجديدة والحياة السياسية، والالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية.

وبالفعل أبدت الحركة بعد الشيء من المرونة خلال الأيام الأولى من سيطرتها على أفغانستان؛ لكسب ود وتعاطف الشعب الأفغاني بشكل مخالف عما مارسته أيام سيطرتها على البلاد في تسعينيات القرن المنصرم؛ وأبدت انفتاحها على الحوار والاستمرار في التعاون الاقتصادي والتجاري مع الدول التي كانت تربطها علاقات مع الحكومة السابقة، إلى أن أحكمت قبضتها على كامل الجغرافية الأفغانية.

ولكن؛ وبالرغم من كل تلك النوايا والمرونة التي أبدتها الحركة، إلا أنها لم تستطع كسب ودّ الشعب الأفغاني، وإزالة شكوكه بوعودها، ومخاوفه على مستقبل البلاد، الذي أصبح مهدداً بفكر ظلامي راديكالي تحت قبضة الحركة، الأمر الذي دفع الكثير من الأفغان إلى الهجرة دون أدنى درجة من التردد، في بلد أصبح يفتقد لأية بارقة أمل لبلد قد تسوده المواطنة والحريات في ظل سيطرة الحركة. ولم يحتاج الشعب الأفغاني والمجتمع الدولي إلى المزيد من الوقت لكشف حقيقة الحركة، وللتأكد من صحة شكوكهم حيال الحركة، وما تحملها من فكر وايديولوجية راديكالية متعصبة، فسرعان ما تكشف الغطاء على حقيقة ذلك، عندما احتكرت طالبان تشكيل الحكومة الأفغانية بجميع أعضاءها أو مواليها، مع إقصاء تام للنساء، وكل ما هو مخالف أو معارض للحركة، وأكثر ما أثار حفيظة المجتمع الدولي وزاد من قلقه ومخاوفه وجود عدد من الأعضاء سابقين في غوانتانامو؛ ممن كانوا ضمن الحكومة خلال فترة سيطرة طالبان على الحكم في تسعينيات القرن المنصرم والمدرجين على قوائم الإرهاب الدولية.

فالذهنية والعقلية التي تقف وراء تأسيس واختيار أعضاء الحكومة الجديدة كانت كافية بما فيه الكفاية لكشف النقاب عمّا ستحمله هذه الحركة في قادم الأيام وحقيقة إدعاءاتها، لاسيما ما أبدته من مرونة فيما يتعلق بالحقوق النسائية ومشاركتهن في الحياة السياسية والمجتمعية على وجهٍ خاص.

بالرغم من معرفة ودراية غالبية الدول بطبيعة الحركة؛ إلا أنها أبدت استعدادها للحوار والانفتاح مع حركة طالبان مادامت مصالحها مصانة، ولا ننسى تسابق كل دولة إلى استغلال الحركة كتهديد لمصالح الدول المعادية لها، وكما هو معروف في العرف الدولي الغلبة والأفضلية للمصالح.

وربما كانت أحد الأسباب التي دفعت بغالبية الدول إلى الانفتاح على الحركة كونها أصبحت بحكم أمر الواقع كنتيجة حتمية للقبول بأيديولوجية الحركة، من أجل كسبها إلى جانبها أفضل من معاداتها على مبدأ اختيار أفضل السيئين.

وفي الكثير من الأحيان وجود هكذا أيديولوجية مفيدة لبعض القوى والجهات والدول؛ كونها تشكل بيئة خصبة مليئة بالتناقضات، وبالتالي تكون المجتمعات التي تدار بموجبها هشة وقابلة للتفجير في أي لحظة، بل ويسهل التدخل والتغلغل فيها، أو استخدامها في محاربة الجهات المعادية لهم. وهي عادة ما تكون أحد التكتيكات التي يتم اتباعها من قبل العديد من القوى والجهات لتنفيذ استراتيجيات طويلة الأمد عبر الإسهام بتأسيس هكذا حركات أو دعمها، وحركة طالبان إحدى هذه الحركات التي أسست ودعمت لمواجهة الشيوعية.

وليس من المستبعد أن تسخر الحركة هذه المرة لمحاربة تنظيم داعش؛ أو لإحداث قلاقل لمنع تمرير أجندات ومشاريع بعض القوى الدولية، وربما تكون بداية لإعادة ترتيب المنطقة وفق خرائط جديدة.

فالبنية الايديولوجية للحركة طالما تميزت بالقولبة والجمود والثبات عبر اتخاذها جملة من الأعراف والمبادئ والتشريعات والمعايير التي تتجاوزة الزمان والمكان، في إطار صبغة تتمتع بالمطلقية والصدق والمصداقية والحقيقة والصلاحية والحتمية والضرورة، كل ذلك كافٍ لتفجير صراعات وحروب لا حصر لها.

فمطلقية التفكير والأحكام وحتمية النتائج وضرورة الالتزام، كل ذلك كفيل بتدمير وهدم المجتمعات كونها تنافي الخصائص الديناميكية للطبيعة والمجتمع والإنسان. حركة بهذه الايديولوجية والمنهجية ليس من المستغرب أو المستبعد أن تأتي بهذه التشكيلة في الحكومة الجديدة؛ والتي هي عبارة عن نسخة مستنسخة عن تسعينيات القرن المنصرم.

كونها تفتقد لأي ديناميكية تسمح بالتجديد والتغيير والاتيان بكل ماهي مختلف وجديد. لذا؛ سرعان ما قام أعضاء من الحركة بالقضاء على مظاهر الحضارة عبر كسر الآلات الموسيقية؛ ومنع المدارس المختلطة، ومنع المرأة من الخروج من دون محرم، ومن مزاولة العمل وإقصاءها من الحياة السياسية، وقمع التظاهرات، وتعذيب الصحفيين وفرض نماذج ومعايير محددة فيما يخص المظهر الخارجي للشباب والنساء، وغيرها من الانتهاكات الصارخة والمنافية للعهود والمواثيق الدولية والإنسانية.

ربما نجحت الحركة في تسعينيات القرن الماضي في قيادة البلد ست سنين، ولكن من الصعب في المرحلة المقبلة الاستمرار في سدة الحكم بهذه العقلية والمنهجية، بالرغم من الانفتاح الذي أبدته غالبية الدول للتعاون والحوار معها. في ظل المتغيرات والمستجدات والتطورات المتسارعة التي تشهدها البشرية في ظل الثورات العلمية والتكنولوجية؛ وسرعة انتشار الخبر، وانفتاح الشعوب على بعضهم البعض.

كونها تفتقد إلى ديناميكية تؤهلها لإدارة البلاد بما ينسجم مع التطورات الحضارية التي يشهدها العالم؛ ومن الصعب – أن لم نقل من المستحيل-  إدارة البلاد بفكر وايديولوجية متصلبة ومنفصلة عن الزمان والمكان. وحتى على مستوى العلاقات مع الدول التي يفترض عليها تغيير من منهجيتها في التفكير؛ وهو ما يناقض الطبيعة الايديولوجية التي تتبناه، فالاستمرار على ما هي عليه، سيكون مصيرها الزوال، كونها تحمل بذور زوالها في صميم الأيديولوجية التي  تتبناها.

التصلب والخشونة يوماً من الأيام لم تكن تمتلك الحوكمة الرشيدة؛ إنما على العكس كانت دوماً وأبداً منبعاً للتناقضات والصراعات والحروب، واستمرارية طالبان بالأيديولوجية المناهضة للديناميكية وتكفير الديمقراطية سيضعها أمام امتحان صعب؛ وانتفاضات ستقودها المرأة بالدرجة الأولى، كونها العنصر الأكثر استعباداً في ظل هكذا ايديولوجيات. فالحظر والقيود المفروضة بالقوة سيطلق العنان لإمكانيات حقيقة في مواجهتها، وكما لا نستبعد عودة الأمريكان إلى المنطقة مرة أخرى، وهذه المرة بذريعة حماية الحقوق والحريات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.